الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

إدريس الروخ يقتحم الدراما الأمازيغية بـ«الحكيمة».. حكاية امرأة تواجه صراعات القبائل بحكمة العقل

IMG-20261026-WA0003

 

بقلم: رشيد حبيل

 

من قلب جبال الأطلس المتوسط، حيث تتصارع القبائل على النفوذ والثروة، وتُختبر التحالفات تحت وطأة الجفاف والمجاعة، يستعد المخرج إدريس الروخ لخوض تجربة جديدة في مساره الفني، من خلال مسلسل «الحكيمة»، الذي يشكل أولى تجاربه في إخراج الدراما الناطقة بالأمازيغية، ضمن عمل تاريخي يراهن على استحضار الذاكرة الثقافية المغربية، وإعادة بناء عالم اجتماعي تتشابك داخله المصالح والنزاعات، وتتحول فيه الحكمة إلى وسيلة لفهم موازين القوة وتدبير تعقيدات الحياة.

 

وانطلقت عمليات تصوير المسلسل في أواخر شتنبر 2026، بعدد من المناطق المغربية، في إنتاج تشرف عليه شركة «ديسكونيكتد» لفائدة القناة الثامنة المغربية «تمازيغت»، وسط توجه فني يسعى إلى تقديم حكاية تستمد ملامحها من البيئة الأمازيغية، وتستثمر خصوصية المجال الجبلي في بناء سرد درامي يجمع بين التاريخ والإنسان والمكان، ويمنح تفاصيل الحياة اليومية دوراً أساسياً في تطور الأحداث.

 

وتعود أحداث «الحكيمة» إلى جبال الأطلس المتوسط مع مطلع القرن التاسع عشر، خلال مرحلة اتسمت بصراعات قبلية وتنافس على الثروة والنفوذ، في سياق زادت فيه التحولات الاجتماعية والظروف الطبيعية القاسية من تعقيد العلاقات بين الجماعات المحلية. فالجفاف والمجاعة، وفق الخلفية التي يستند إليها العمل، يضعان السكان أمام تحديات تتجاوز تأمين أسباب العيش، لتشمل حماية المصالح وإعادة ترتيب التحالفات ومواجهة الأطماع، في عالم تتغير فيه موازين القوة تبعاً للظروف والمواقف.

 

وفي قلب هذه التحولات، تبرز شخصية عائشة، الملقبة بـ«الحكيمة»، التي تجسد دورها الفنانة سناء مجدوبي، وهي امرأة تتميز بذكاء حاد ومعرفة عميقة بالطبيعة البشرية، وتمتلك قدرة على قراءة ما تخفيه الكلمات والنظرات من مقاصد ودلالات. وتجد عائشة نفسها وسط صراعات متشابكة، حيث تصبح قدرتها على فهم الآخرين واستيعاب دوافعهم عنصراً مؤثراً في التعامل مع النزاعات وتبدل الولاءات، بما يمنح الشخصية حضوراً يتجاوز حدود الحكاية التقليدية.

 

وتحمل هذه الشخصية أبعاداً إنسانية واجتماعية لافتة، بالنظر إلى موقع المرأة داخل مجتمع تحكمه الأعراف القبلية والتوازنات الجماعية، إذ تقدم الحكاية نموذجاً لشخصية تستمد تأثيرها من المعرفة والتجربة وقوة الملاحظة، وتواجه تعقيدات محيطها بقدرة على استيعاب ما يجري خلف واجهة الأحداث. ومن ثم، يفتح المسلسل المجال أمام مساءلة العلاقة بين الحكمة والنفوذ، وبين القوة المادية والقدرة على فهم الإنسان، في سياق تصبح فيه الكلمة أحياناً عاملاً حاسماً في توجيه الأحداث.

 

وعلى مستوى التشخيص، يجمع العمل نخبة من الممثلين المغاربة الناطقين بالأمازيغية، من بينهم سناء مجدوبي، وسعيد ظريف، وسعيد عامل، وحسين أغبالو، وسناء بحاج، ومحسن الزواق، في توليفة فنية تستحضر تعدد الشخصيات والعلاقات داخل المجتمع القبلي، وتتيح تقديم صراعات تتداخل فيها المصالح العائلية والروابط الاجتماعية والتنافس على الموارد ومصادر النفوذ.

 

ويحتل الجانب البصري مكانة بارزة ضمن ملامح المشروع، من خلال الاهتمام بالأزياء التقليدية والحلي والخيام والأسواق والخيول، إلى جانب استحضار أهازيج وفنون «أحيدوس» العريقة، بما يعكس غنى الموروث الثقافي الأمازيغي وخصوصية تعبيراته الفنية والاجتماعية. فالمكان في هذا العمل يتجاوز وظيفته بوصفه خلفية للأحداث، ليصبح عنصراً من عناصر الحكاية، يحمل ذاكرة المجتمع ويكشف طبيعة علاقته بالأرض والموارد والعادات والتقاليد.

 

وبالنسبة إلى إدريس الروخ، تمثل هذه التجربة انتقالاً إلى فضاء درامي جديد، يستدعي الاشتغال على اللغة والبيئة التاريخية والتفاصيل الثقافية، بما يقتضيه ذلك من عناية بالصورة والفضاء والشخصيات. كما يفتح المسلسل أمام الدراما الأمازيغية إمكانات إضافية لاستثمار التاريخ المحلي في إنتاج أعمال تلفزيونية تجمع بين الخصوصية الثقافية والجاذبية الدرامية، وتمنح الذاكرة المغربية مساحة أوسع داخل المشهد السمعي البصري الوطني.

 

وبين صراعات القبائل وقسوة الطبيعة وتقلب التحالفات، تتقدم «الحكيمة» بوصفها حكاية عن امرأة تحاول فهم عالم تحكمه المصالح وتتنازعه الأطماع، مستندة إلى قوة العقل ونفاذ البصيرة. وهكذا، يضع العمل المشاهد أمام سؤال يتجاوز زمن الحكاية ومكانها: ماذا تستطيع الحكمة أن تصنع في عالم يعتقد فيه الجميع أن القوة وحدها تملك مفاتيح المصير؟ فالتاريخ، في كثير من الأحيان، تحفظه المعارك في الذاكرة، غير أن فهمه يبدأ من الإنسان الذي يقف خلفها.