الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

النيابة العامة وجرائم الشيك: انضباط الدعوى العمومية بين الشرعية الزجرية والاستيفاء الصرفي

IMG-20260925-WA0024

 

 

بقلم: حبيل رشيد

 

تحتل جرائم الشيك موقعا متميزا ضمن السياسة الجنائية الاقتصادية، بالنظر إلى اتصالها المباشر بالائتمان التجاري، وانتظام المعاملات المالية، وحماية الثقة التي يقوم عليها تداول الأوراق التجارية. فالشيك، باعتباره أداة وفاء مستحقة الأداء لدى الاطلاع، يستمد قيمته العملية من الضمان القانوني المترتب على إصداره، ومن افتراض الجدية في استعماله داخل الدورة الاقتصادية. غير أن الإخلال بهذا الالتزام يثير إشكالا يتجاوز مجرد عدم استيفاء الدين، ليطرح حدود تدخل الدولة في النزاعات ذات المنشأ التجاري، ومدى مشروعية إخضاعها للجزاء الجنائي. وفي هذا السياق، جاء القانون رقم 71.24 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، ليعيد ترتيب عدد من المقتضيات المرتبطة بجرائم الشيك، ويمنح التسوية والأداء موقعا أكثر بروزا ضمن مسار الدعوى العمومية، دون إهدار الوظيفة الحمائية للتجريم.

 

وتتحدد أهمية النيابة العامة في هذا المجال انطلاقا من مركزها القانوني باعتبارها الجهة المختصة، من حيث الأصل، بإقامة الدعوى العمومية وممارستها باسم المجتمع، طبقا للمادتين 3 و36 من قانون المسطرة الجنائية رقم 22.01، كما وقع تغييره وتتميمه بالقانون رقم 03.23. وتضطلع هذه المؤسسة بوظيفة تتجاوز المطالبة بالعقوبة إلى مراقبة سلامة التكييف القانوني، وتقدير مدى توافر العناصر التكوينية للجريمة، والسهر على احترام الضمانات الإجرائية المقررة للأطراف. كما تخول المادة 40 من القانون ذاته لوكيل الملك تلقي المحاضر والشكايات والوشايات واتخاذ ما يراه ملائما بشأنها، بما يجعل مرحلة استقبال الشكاية مدخلا حاسما لتحديد المآل القانوني للواقعة المعروضة.

 

ولا يقتضي رفض البنك أداء الشيك، في ذاته، التسليم بقيام المسؤولية الجنائية؛ إذ يتعين التثبت من طبيعة سبب الرفض، وصحة الشيك، ووضعية المؤونة، والوقائع التي صاحبت إصداره وتقديمه. فالمادة 316 من مدونة التجارة تؤطر مجموعة من الجرائم المتصلة بالشيك، وفي مقدمتها إغفال الحفاظ على المؤونة أو تكوينها قصد أداء الشيك عند تقديمه، فضلا عن أفعال أخرى يحددها النص، من قبيل التعرض غير المشروع على الوفاء والتزييف والتزوير والصور المرتبطة باستعمال الشيك المزيف أو المزور. ويستوجب اختلاف هذه الأفعال اختلافا في عناصرها المادية والمعنوية، وفي وسائل إثباتها والعقوبات المقررة لها؛ لذلك ينبغي أن يستند قرار المتابعة إلى تكييف دقيق للوقائع، وألا يحل مجرد وجود شهادة رفض الأداء محل إثبات الأركان القانونية اللازمة.

 

وتتجلى إحدى أهم ضمانات حماية الشيك في المادة 271 من مدونة التجارة، التي تحدد الحالات التي يقبل فيها التعرض على الوفاء، ومنها فقدان الشيك أو سرقته أو استعماله التدليسي أو تزويره، فضلا عن الحالات القانونية الأخرى الواردة في النص. وتنبع أهمية هذا الحصر من ضرورة منع اتخاذ التعرض وسيلة لتعطيل الوفاء بإرادة منفردة، مع إبقاء الحماية متاحة متى استند الاعتراض إلى سبب مشروع. ومن ثم، فإن دور النيابة العامة يقتضي التمييز بين التعرض الذي يستند إلى مبرر قانوني، والتعرض الذي تتوافر فيه عناصر التجريم، مع مراعاة الأدلة والظروف المحيطة بكل نازلة.

 

وقد أفرز القانون رقم 71.24 تحولا إجرائيا بارزا من خلال المقتضيات الجديدة للمادة 325، ولا سيما اشتراط إعذار الساحب قبل إقامة الدعوى العمومية في جنحة إغفال الحفاظ على المؤونة أو تكوينها. ويُوجَّه الإعذار بواسطة ضابط الشرطة القضائية بناء على تعليمات النيابة العامة، مع منح المعني بالأمر أجلا أصليا قدره ثلاثون يوما لتسوية وضعيته، وإمكان تمديده وفق الشروط التي يحددها القانون. ويكشف هذا الإجراء عن توجه تشريعي يرمي إلى إتاحة فرصة لتدارك الإخلال قبل سلوك طريق المتابعة، مع إخضاع التدخل الإجرائي للضوابط القانونية، بما فيها تدابير المراقبة القضائية المنصوص عليها في المادة 161 من قانون المسطرة الجنائية متى توافرت شروطها. ويظل احترام الإعذار وآثاره واجبا إجرائيا، لا مجرد إجراء شكلي يمكن تجاوزه دون سند قانوني.

 

وفي السياق نفسه، تكتسي المادة 314 من مدونة التجارة أهمية خاصة، بالنظر إلى ما تقرره بشأن تسوية وضعية الشيك غير المؤدى أو تكوين المؤونة داخل الأجل المحدد قانونا، وما يترتب عن ذلك من آثار على الغرامة وفق الشروط المنصوص عليها. كما ترتب المادة 325 آثارا قانونية على أداء قيمة الشيك أو التنازل عن الشكاية في الحالات التي يشملها النص، شريطة استيفاء المتطلبات المالية والإجرائية المقررة، ومنها الغرامة المحددة في اثنين بالمائة من مبلغ الشيك أو الخصاص بحسب الحالة. ويقتضي التطبيق القضائي السليم التمييز بين عدم تحريك الدعوى العمومية قبل إقامتها، وسقوطها بعد تحريكها، وإيقاف تنفيذ العقوبة بعد صدور حكم نهائي؛ فهذه آثار متباينة من حيث طبيعتها القانونية، ولا يجوز دمجها في حكم واحد أو ترتيب أحدها خارج شروطه.

 

ومن المستجدات ذات الدلالة كذلك تنظيم المسؤولية المرتبطة بقبول الشيك على سبيل الضمان. فقد أعاد القانون رقم 71.24 ترتيب الجزاء المقرر لهذه الصورة، مكتفيا بالغرامة المحددة قانونا في حق من يقبل عن علم تسلم الشيك أو تظهيره بشرط عدم استخلاصه فورا أو الاحتفاظ به على سبيل الضمان، مع ترتيب آثار على أداء الغرامة قبل صدور مقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به. ويعكس هذا الاختيار إرادة تشريعية في معالجة استعمالات للشيك خرجت عن وظيفته الأصلية، مع الإبقاء على جزاء مالي يحد من الممارسات المخالفة. كما أقر المشرع مقتضيات خاصة تتعلق ببعض الشيكات الصادرة بين الأزواج أو الأصول والفروع من الدرجة الأولى، وفق الشروط والمدد التي يحددها النص، وهو ما يفرض على النيابة العامة التحقق من طبيعة العلاقة بين الأطراف قبل ترتيب آثار المتابعة.

 

أما على مستوى البحث التمهيدي، فتستند النيابة العامة إلى مقتضيات قانون المسطرة الجنائية، ولا سيما المواد 18 و19 و40 و49، في الإشراف على أعمال الشرطة القضائية ومراقبة مشروعية الإجراءات وجمع العناصر اللازمة لكشف الحقيقة. ويقتضي ذلك فحص الوثائق البنكية، والتحقق من بيانات الحساب وتاريخ إصدار الشيك وتقديمه، والاستماع إلى الأطراف عند الاقتضاء، والتثبت من صحة التوقيع والبيانات الإلزامية عند قيام منازعة جدية. كما تفرض الشرعية الإجرائية احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع، وضمان خلو إجراءات البحث من الإكراه غير المشروع، وتطبيق القواعد المنظمة للحراسة النظرية والمراقبة القضائية ضمن حدودها القانونية. وبعد استكمال البحث، تملك النيابة العامة سلطة تقدير مآل الشكاية، بين الحفظ عند انتفاء موجبات المتابعة أو عدم كفاية الإثبات، وتحريك الدعوى عند توافر العناصر القانونية اللازمة.

 

وبعد إقامة الدعوى العمومية، تنتقل وظيفة النيابة العامة إلى عرض الوقائع وتقديم الملتمسات ومناقشة وسائل الإثبات، مع مراعاة التكييف القانوني الصحيح لكل فعل، وحق المتهم في الدفاع، وسلطة المحكمة في تقدير الحجج المعروضة عليها. كما يجوز لها، وفق الشروط المقررة قانونا، ممارسة طرق الطعن في الأحكام التي ترى أنها شابها خرق للقانون أو خطأ في تطبيقه أو تعليل غير كاف. وتظل المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية مرجعا في نطاق الصلح الذي تجيزه، دون أن يبرر ذلك توسيع آثاره إلى جرائم أو حالات لم يشملها المشرع. فالتسوية في جرائم الشيك تستمد مشروعيتها من النص المحدد لشروطها، ولا يمكن أن تتحول إلى سلطة مطلقة للأطراف في إنهاء الدعوى العمومية خارج الحالات القانونية.

 

وتبرز آثار الإصلاح أيضا بعد صدور الأحكام النهائية، إذ يتيح القانون، في الحالات التي يحددها، ترتيب آثار على أداء قيمة الشيك أو الحصول على تنازل من المستفيد، مع أداء الغرامة المستحقة. وقد تشمل هذه الآثار إيقاف تنفيذ العقوبة السالبة للحرية ورد الاعتبار وفق الشروط القانونية. ويتعين هنا التمييز بين الوضعية القانونية للمحكوم عليه، والأثر المترتب على تنفيذ الالتزام المالي، والنتيجة التي يرتبها النص على العقوبة أو الدعوى. كما ينبغي مراعاة مقتضيات القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، ولا سيما الاستثناءات التي يقررها القانون بالنسبة إلى الجرائم المحددة في المادة 316 من مدونة التجارة.

 

إن فاعلية النيابة العامة في جرائم الشيك تقاس بقدرتها على إنفاذ القانون بدقة، وحماية المستفيد من ضياع حقه، وصيانة المشتكى به من متابعة تفتقر إلى أساس قانوني، مع ضمان توحيد التوجهات العملية في ضوء المستجدات التشريعية. ويستدعي ذلك تعزيز التكوين المتخصص في المنازعات البنكية والتجارية، وتطوير التنسيق مع المؤسسات البنكية، وتحسين جودة الأبحاث، وتوحيد التكييفات القانونية، وتسريع البت في الملفات. فالثقة في الشيك لا تتحقق بمجرد تشديد العقوبة، كما أن حماية المدين لا تقتضي إفراغ التجريم من مضمونه؛ وإنما تتحقق باستعمال متناسب للسلطة الجنائية، يجعل الأداء وجبر الضرر ممكنين حيث أجاز القانون ذلك، ويُبقي المساءلة قائمة حيث تقتضيها الشرعية. وهنا تتحدد القيمة المؤسسية للنيابة العامة: سلطةٌ تمارس باسم المجتمع، وتظل في جميع الأحوال مقيدة بالنص، والضمانات، ومقتضيات العدالة الجنائية.