مراد اكوح
وُلدت فاطمة سعدي بالحسيمة في 8 ماي 1969، لكن ميلادها السياسي اقترن على وجه التحديد بالزلزال الذي ضرب إقليم الحسيمة في 24 فبراير 2004؛ فبحكم امتهانها للعمل الجمعوي (نائبة رئيس جمعية التضامن للعمل الاجتماعي والإنساني “أساشا” ذات الفروع الدولية) خلال تلك الفترة، تمكنت من فرض نفسها كوجه نسائي بارز ونشيط في الميدان، سواء فيما يتعلق بعمليات إغاثة المتضررين أو إيواء المنكوبين، أو مواكبة عملية إعادة إعمار المنطقة فيما بعد.
ولا تزال الفعاليات المدنية المحلية والجهوية والوطنية تتذكر ـ باعتزاز وإطراء كبيرين ـ حيويتها وتدخلاتها الميدانية أثناء تقديم المساعدات لضحايا الفاجعة، وكذا رحلاتها المتنوعة إلى مختلف الدواوير والمداشر المنكوبة الواقعة بين أعماق هضاب وجبال الريف النائية والقصية، ناهيك عن مساهمتها الفعالة في تصفية أجواء التوتر التي رافقت هول الكارثة وارتداداتها، بفضل حرصها الشديد على الوقوف الميداني إلى جانب المتضررين ومعهم في معالجة مختلف أنواع المشاكل التي كانت تصادفها هنا أو هناك، وقد أفصحت عن جرأة قل نظيرها في مخاطبة الحشود الجماهيرية التي كانت تعبر أحيانا عن استيائها واحتجاجها نتيجة ما اعتبرته وقتئذ سلوكات غير قويمة أو أخطاء صادرة عن بعض الجهات أو خروقات مقترفة من بعض الأشخاص؛ وهو الأمر الذي كان موضع ترحيب واسع من قبل الساكنة، وأكسبها صيتا وتقديرا معتبرَين في أعين المتتبعين سواء كانوا من الفعاليات المدنية أو السلطات المسؤولة.
وعند إعلان تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة في صيف 2008، كانت فاطمة سعدي من بين أولى وأبرز الوجوه النسائية الحسيمية التي تم التودد إليها بهدف استقطابها لصفوف الحزب من لدن القيادات البامية الريفية. وبالنظر إلى الحجاج الذي تم توظيفه آنذاك بهدف الاستقطاب والانخراط في هذا المشروع السياسي الجديد، والمتمثل في أهمية تأسيس وإعداد نخبة ريفية قادرة على المرافعة لفائدة الريف والريفيين، فإن سعدي لم تبد أي تحفظ يذكر على المشروع الجديد، بقدر ما أعربت عن اعتزازها بهذا التوجه الجديد وتبنيها لهذا الخطاب غير المعهود الذي يساير طموحها في الواقع، سيما وأنه خطاب يركز على أهمية تعزيز الاختيار الديمقراطي الحداثي، وتكريس البعد الجهوي في تدبير الشأن الترابي للبلاد، والعمل على النهوض التنموي للمنطقة/الريف، ومن ثم ممارسة السياسة بشكل مغاير ومختلف.
والحال أن هذا الانخراط المبكر في صفوف الحزب، ومشاركتها في أول مكتب سياسي عام 2008، أتاح لها إمكانية دخول غمار الانتخابات الجماعية في 2009، وبالتالي مكنها من رئاسة بلدية الحسيمة، وهو الحدث الذي لم يمر مرور الكرام يومئذ، ففي الوقت الذي قوبل فيه إسناد هذه المهمة الثقيلة (رئاسة البلدية) لامرأة ـ في وسط محافظ جداـ بكثير من الريبة والتشكيك من طرف العديد من الفاعلين السياسيين والمدنيين على المستوى المحلي، فإن ذكاء سعدي وتفانيها في عملها اليومي واحتكاكها بالساكنة وسهرها الشخصي على معالجة الملفات والمشاكل العالقة، منحها قوة معنوية للاستمرار بحب مكين في تقديم الخدمات للساكنة التي بادلتها ذات الحب وأكثر عندما أطلقت عليها لقب ” تاتشر” الريفية ووشحتها بوسام “المرأة الحديدية” القاهرة للفاسدين والمفسدين، خاصة بعد وقوف هذه الساكنة على نوعية أدائها الميداني والإداري الجيد، واقتناعها بنزاهتها ومصداقيتها في القول والفعل. وعليه، فإن سعدي لم تستطع الخروج من هذه التجربة “الشاقة” بيدين نظيفتين فحسب، وإنما تمت مكافأتها بتعاطف منقطع النظير من طرف “دراوش” المدينة الذين وجدوا فيها أختًا رحيمة ومناصرة لقضايا مدينتهم ومدافعة بلا هوادة حين يتعلق الأمر باسترداد حقوقهم المهضومة.
عقب ذلك، تمكنت فاطمة سعدي من حجز مقعد لها داخل البرلمان (مجلس النواب) عن طريق اللائحة الوطنية خلال الولاية التشريعية 2016/2021، ولا شك أن هذه المهمة الجديدة قد أكسبتها مزيدا من التمرس السياسي، فقد باتت ممثلة للأمة وصار مفروضا عليها إضفاء توازن أكبر على شخصيتها والانفتاح أكثر على باقي الفرقاء السياسيين ما دام هناك إطار واحد يجمعهم (المؤسسة التشريعية). ورغم تزامن هذه الولاية التشريعية مع الكثير من الصعوبات، فإن سعدي أبانت عن كفاءة عالية في المرافعة عن أحقية منطقتها في الاستفادة من المشاريع التنموية، وكذا الذود عن كافة القضايا ذات البعد الوطني، بواسطة تدخلاتها القوية والمتميزة في الجلسات العامة أو من خلال النقاشات المستعرة داخل قاعات اللجان النيابية، إذ غالبا ما حظيت مداخلاتها بإشادة واسعة سواء من لدن أعضاء الحكومة أو زميلاتها وزملائها النواب البرلمانيين خلال تلك الولاية.
ولئن كان القدر قد خبأ لفاطمة سعدي مفاجأة جميلة خلال سنة 2024 حين عوضت صلاح الدين أبو الغالي في القيادة الثلاثية لحزب الأصالة والمعاصرة، فإنه لا ينبغي أن نغفل كون ذلك لم يكن ليتم لولا نضج شخصيتها، نضج أثمرته سنوات عديدة من العمل الدؤوب وأزهرته المسؤوليات التي تحملتها وتدرجت فيها، بله الثقة التي نسجتها بباقي عضوات وأعضاء القيادة البامية، فضلا عن الجدية التي كشفت عنها فيما يرتبط بأدائها وحكمتها في التعامل مع سائر المشاكل التي مر بها الحزب في أوقات عصيبة وحرجة للغاية.
كل ذلك، إذن، مكن فاطمة سعدي من مراكمة تجربة سياسية محترمة بوأتها مكانة رفيعة في دواليب تنظيمها الحزبي، وبالتالي وطّأ لها طريق التألق أكثر في سماء درب السياسة… طريق أفضى بها إلى تتويج مسارها السياسي عبر فتح أبواب المشور السعيد في وجهها لتحظى بالثقة المولوية السامية، حيث أسند لها صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله (الجمعة 16 أكتوبر 2026) حقيبة الوزيرة المنتدبة لدى وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، المكلفة بالإسكان وسياسة المدينة.

