بقلم: حبيل رشيد
يبرز الأستاذ أحمد المسموكي، الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بسطات، ضمن الأطر القضائية التي تستمد أهمية موقعها من جسامة المسؤوليات الملقاة على عاتقها، ومن دقة المهام المرتبطة بتدبير شؤون النيابة العامة، وصيانة المشروعية، والسهر على سلامة تطبيق القانون، والإسهام في إرساء حكامة قضائية قوامها الانضباط والنجاعة والفعالية. فمنذ تعيينه في هذا المنصب خلال نونبر 2022، ارتبطت مسؤوليته بمرحلة تتطلب يقظة مؤسساتية متواصلة، وحسن تدبير الملفات، وإحكام التنسيق بين مختلف المتدخلين في منظومة العدالة، بما يجعل موقع الوكيل العام للملك مجالاً لاختبار الكفاءة المهنية، ورجاحة التقدير، وقوة الشخصية في تحمل أعباء المسؤولية.
وتتجلى أهمية الدور الذي يضطلع به الأستاذ أحمد المسموكي في طبيعة الاختصاصات التي ينهض بها باعتباره مسؤولاً عن النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف، وما يستلزمه ذلك من حرص على احترام القانون، وتتبع القضايا المعروضة، وتوجيه العمل في نطاق الاختصاصات المخولة قانوناً، وتعزيز التنسيق مع المصالح المعنية بإنفاذ القانون. فالمسؤولية في هذا المستوى تقتضي الجمع بين الحزم في تدبير الملفات، والتبصر في تقدير الوقائع، والالتزام بضوابط الشرعية، مع استحضار أن حماية الحقوق والحريات، وصون الأمن القانوني، وتحقيق المصلحة العامة، تظل عناصر متكاملة في أداء النيابة العامة لوظيفتها. ومن هذه الزاوية، تكتسب شخصية المسؤول وحضوره المهني أهمية خاصة في ضبط إيقاع العمل، وتثبيت ثقافة الالتزام، وتحفيز مختلف مكونات المنظومة على الاضطلاع بواجباتها في إطار من المسؤولية والانضباط.
إن الإشادة بتجربة الأستاذ أحمد المسموكي تستند، في جانب مهم منها، إلى موقعه في قيادة عمل النيابة العامة داخل دائرة قضائية تتعدد محاكمها وتتباين طبيعة القضايا المعروضة عليها. فالإشراف على هذا المرفق يفرض قدرة على استيعاب حجم الملفات وتنوعها، ومتابعة مؤشرات معالجتها، ورصد مكامن الضغط، والتعامل مع الإكراهات المهنية والتنظيمية بما يحفظ استمرارية العمل وجودته. وهي مهام تتجاوز التدبير اليومي إلى إرساء رؤية عملية تجعل النجاعة القضائية هدفاً مؤسساتياً، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، والاختصاص بحسن الأداء، والسلطة القانونية بواجب صون الحقوق واحترام الضمانات. وفي هذا الإطار، تبرز قيمة الحزم باعتباره انضباطاً في اتخاذ القرار، وثباتاً في تحمل المسؤولية، وحرصاً على انتظام العمل وفق المقتضيات القانونية.
وتتصل هذه المسؤولية اتصالاً وثيقاً بحماية السياسة الجنائية وتنزيل توجهاتها في حدود الاختصاصات القانونية للنيابة العامة. فالوكيل العام للملك يضطلع بدور محوري في السهر على التطبيق السليم للقانون الجنائي، وتتبع القضايا التي تدخل ضمن اختصاص محكمة الاستئناف، والتنسيق مع النيابات العامة التابعة للدائرة القضائية، بما يعزز وحدة التوجه في معالجة القضايا واحترام الضوابط القانونية. وتزداد أهمية هذا الدور كلما تعلق الأمر بالتوفيق بين متطلبات التصدي للجريمة وضمان المحاكمة العادلة، وبين سرعة المعالجة ودقة الإجراءات، وبين حماية النظام العام وصيانة الحقوق الفردية. ومن ثم، فإن ما يميز التدبير القضائي الرصين هو القدرة على الجمع بين الصرامة التي تفرضها المسؤولية، والتوازن الذي تقتضيه العدالة، والالتزام الذي يحكم ممارسة الاختصاص.
وفي هذا السياق، تكتسي المؤشرات الإحصائية المتعلقة بتدبير الشكايات والمحاضر أهمية في قراءة أداء المرفق القضائي، شريطة التعامل معها باعتبارها أدوات للتقييم والاستئناس، لا أحكاماً مطلقة على جودة العمل. فقد سجلت المعطيات المتعلقة بسنة 2022، وهي السنة التي عُيّن خلالها الأستاذ أحمد المسموكي، رواج 963 شكاية على مستوى النيابة العامة بمحكمة الاستئناف، أُنجز منها 830 شكاية، فيما بلغت الشكايات الرائجة لدى النيابات العامة بالمحاكم الابتدائية التابعة للدائرة 25,953 شكاية، أُنجز منها 23,925. كما بلغ عدد المحاضر الرائجة بالمحاكم الابتدائية 98,905 محاضر، أُنجز منها 92,776. وتعكس هذه الأرقام حجم العمل الذي كانت المنظومة مطالبة بتدبيره، وتبرز في الوقت نفسه جسامة المسؤولية التنظيمية المرتبطة بتتبع الملفات وتنسيق الجهود بين مختلف مكونات النيابة العامة.
أما خلال سنة 2024، فقد بلغ عدد الشكايات الرائجة لدى النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بسطات 1,295 شكاية، أُنجز منها 1,132، بما يعادل نحو 87.4 في المائة. وعلى مستوى النيابات العامة بالمحاكم الابتدائية التابعة للدائرة، سُجلت 18,786 شكاية رائجة، أُنجز منها 15,441، بنسبة بلغت 82.19 في المائة. وتتيح هذه المعطيات الوقوف على حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق المرفق، وعلى الحاجة الدائمة إلى اليقظة في تتبع الملفات، وتحسين أساليب التدبير، وتعبئة الموارد البشرية المتاحة، وتعزيز التنسيق بين مختلف المستويات القضائية. وهي مجالات تندرج ضمن صميم المسؤوليات الإشرافية التي يضطلع بها الوكيل العام للملك، إلى جانب باقي المسؤولين والأطر العاملة داخل الدائرة.
وتبرز معطيات سنة 2025 بدورها مؤشرات تستحق التوقف عندها؛ إذ بلغ مجموع الشكايات الرائجة بمختلف النيابات العامة التابعة للدائرة القضائية 16,399 شكاية، أُنجز منها 14,297، بنسبة تصفية وصلت إلى 87.18 في المائة، مقارنة بنسبة 82.19 في المائة المسجلة سنة 2024 وفق المعطيات المتاحة. كما تراجع عدد الشكايات الرائجة من 18,786 إلى 16,399 شكاية. وعلى مستوى المحاضر، بلغ العدد الرائج 69,979 محضراً، أُنجز منها 62,166 محضراً. وتكشف هذه المؤشرات عن تطور في نسبة تصفية الشكايات بين السنتين، وعن انخفاض في حجم الشكايات الرائجة، وهي نتائج تعزز أهمية مواصلة التتبع والتقييم وتطوير آليات التدبير. وفي قراءة هذه الأرقام، يظل من الإنصاف ربطها بالعمل المؤسساتي المشترك، مع إبراز الدور الإشرافي للأستاذ أحمد المسموكي في إطار الاختصاصات المخولة له، دون اختزال نتائج دائرة قضائية كاملة في مجهود شخص واحد.
وتكمن قيمة هذه المؤشرات، بالنسبة إلى المسؤول القضائي، في قدرتها على إضاءة جوانب من واقع التدبير وتحديد المجالات التي تستدعي مزيداً من العناية. فارتفاع نسبة التصفية، وتراجع عدد الملفات الرائجة، متى تأكدت دلالتهما في ضوء طبيعة القضايا والموارد المتاحة، يمكن أن يشكلا عنصرين إيجابيين في تقييم أداء المرفق. غير أن النجاعة القضائية تظل أوسع من مجرد تصريف الملفات، لأنها ترتبط كذلك بجودة الإجراءات، واحترام الآجال القانونية، وصيانة حقوق الأطراف، وسلامة القرارات، وفعالية التنسيق بين المتدخلين. ومن هنا تبرز أهمية التدبير الذي يوازن بين الكم والكيف، ويجعل الإحصاء وسيلة لتحسين الأداء، لا غاية منفصلة عن جوهر العدالة.
ويظل حضور الأستاذ أحمد المسموكي في هذا المشهد مرتبطاً بما تفرضه مسؤولية الوكيل العام للملك من حزم في الإشراف، ودقة في تتبع القضايا، ويقظة في مراقبة احترام القانون، وحرص على انتظام أداء النيابات العامة التابعة للدائرة. فالشخصية القوية في المجال القضائي تُقاس بقدرتها على تحمل ثقل القرار، والتمسك بالمقتضيات القانونية، وحسن تدبير المواقف الصعبة، مع التحلي بالتجرد والتوازن واحترام استقلال القضاء. وهي صفات تكتسب معناها العملي من طريقة ممارسة المسؤولية، ومن الالتزام بحدود الاختصاص، ومن جعل المصلحة العامة وحماية الحقوق مرجعاً ثابتاً في تدبير الشأن القضائي.
كما أن الحكامة القضائية التي يُنتظر ترسيخها داخل دائرة محكمة الاستئناف بسطات تتطلب عملاً متواصلاً في مجالات التنسيق والتتبع والتقييم، وتوحيد الممارسات في نطاق القانون، وتحسين تدبير الشكايات والمحاضر، وتيسير التواصل بين مختلف المصالح المعنية. ويقع على المسؤول القضائي في هذا الإطار عبء مواكبة سير العمل، واستشراف الصعوبات، والسعي إلى تجاوز الاختلالات التنظيمية، بما يدعم الثقة في المؤسسات ويعزز صورة العدالة باعتبارها مرفقاً عمومياً ملتزماً بالشرعية والإنصاف. ومن هذا المنطلق، تتحدد أهمية الدور الذي يضطلع به الأستاذ أحمد المسموكي في صلته المباشرة بهذه المهام، وفي ما تتيحه المسؤولية من إمكانات لتقوية الأداء المؤسسي وترسيخ ثقافة الجدية والمحاسبة.
إن مسار تدبير النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بسطات يظل مجالاً لتقييم مستمر يستند إلى المعطيات الدقيقة، ويستحضر خصوصية الملفات، وتفاوت الإمكانات، وتعدد المتدخلين. غير أن المؤشرات المسجلة بين سنتي 2024 و2025 تقدم معطيات إيجابية بشأن تطور نسبة تصفية الشكايات وتراجع عددها الرائج، وتدعو إلى مواصلة العمل على تعزيز النجاعة وتحسين جودة الأداء. وفي قلب هذه المسؤولية، يظل الأستاذ أحمد المسموكي مطالباً، بحكم موقعه واختصاصاته، بمواصلة الإشراف والتنسيق والتتبع، بما يخدم حماية السياسة الجنائية، ويعزز احترام القانون، ويكرس حكامة قضائية قوامها الحزم المسؤول، والفعالية المؤسساتية، والتدبير الرصين.
إن الإشادة بالأستاذ أحمد المسموكي هي، في جوهرها، تقدير لثقل المسؤولية التي يتحملها في مرفق حساس، ولأهمية الدور الذي يضطلع به في صيانة المشروعية والسهر على حسن سير عمل النيابة العامة. فالحكامة القضائية لا تُختزل في الشعارات أو المؤشرات وحدها، وإنما تتجسد في ممارسة يومية تقتضي النزاهة والانضباط، وقوة القرار حين يفرض القانون ذلك، والتبصر حين تستدعي الوقائع التقدير، والالتزام الدائم بحقوق المواطنين وضماناتهم. وتلك هي المعايير التي تمنح المسؤولية القضائية معناها الحقيقي، وتجعل من تدبيرها عملاً مؤسساتياً يستحق التقييم الموضوعي والإشادة المهنية، في أفق عدالة أكثر نجاعة، وأقرب إلى انتظارات المتقاضين، وأشد التصاقاً بمبادئ دولة القانون.

