الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

حين تصبح «الملفات» ورقة ضغط.. الخالدي يفتح النار على الومغاري: إما الدليل أو القضاء

Screenshot_20260927-130743

 

سعيد الطهاري:الأحداث الوطنية

لم تعد قضية حافلات النقل الحضري بين مكناس وويسلان مجرد أزمة مرتبطة بخط نقل توقّف مؤقتاً، ولا مجرد خلاف عابر بين مسؤولين منتخبين. فبعد الخرجة الأخيرة لعبد السلام الخالدي، الرئيس السابق لجماعة ويسلان والكاتب الإقليمي لحزب العدالة والتنمية بمكناس، يبدو أن الملف دخل مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: «الملفات».
الخالدي لم يكتفِ بانتقاد طريقة تدبير أزمة النقل، بل صعّد خطابه تجاه رئيس جماعة مكناس عباس الومغاري، متهماً إياه، بحسب ما أوردته تغطيات صحافية، بربط توقف الحافلات بالسياق الانتخابي، ومهدداً بإخراج ساكنة ويسلان للاحتجاج، قبل أن يلوّح أيضاً بإخراج ما وصفه بالملفات. وهنا تحديداً، لم يعد السؤال: لماذا توقفت الحافلات؟ بل أصبح السؤال الأكثر إثارة للانتباه:
ما هي هذه الملفات التي يتحدث عنها الخالدي؟
إذا كانت الملفات موجودة.. فلماذا لا تُخرج؟
هذه هي النقطة التي ينبغي ألا تمر مرور الكرام.
فالحديث عن وجود «ملفات» ضد مسؤول منتخب ليس تفصيلاً سياسياً بسيطاً، خصوصاً عندما يكون المتحدث شخصاً سبق له تحمل مسؤولية تدبير الشأن المحلي، ويعرف بحكم تكوينه القانوني أن الادعاء بوجود اختلالات أو مخالفات ليس مجرد ورقة للمزايدة السياسية.
إذا كان عبد السلام الخالدي يتوفر فعلاً على وثائق أو معطيات تتعلق باختلالات أو مخالفات أو أفعال يرى أنها تستوجب المساءلة، فالمسار الطبيعي ليس التلويح بها، وإنما إخراجها ووضعها أمام الجهات المختصة.

فالقانون لا يُطبّق بالتلميح، ولا تُحمى المصلحة العامة بالصمت عن وقائع خطيرة إن كانت ثابتة.

وإذا كانت تلك الملفات تتضمن فعلاً ما يستوجب البحث أو التحقيق، فإن الاحتفاظ بها وعدم سلوك المساطر القانونية بشأنها يطرح بدوره سؤالاً مشروعاً:

هل نحن أمام معطيات تستوجب المساءلة، أم أمام أوراق سياسية يجري التلويح بها في لحظة صراع؟

لا أحد يستطيع الإجابة عن هذا السؤال سوى الوثائق والجهات المختصة.

الومغاري أمام اختبار لا يقل أهمية
في الجهة المقابلة، لا يمكن لرئيس جماعة مكناس أن يتعامل مع هذه التصريحات وكأنها مجرد سجال عابر على مواقع التواصل.
إذا كان الخالدي قد وجّه اتهامات صريحة، وإذا كان قد تحدث عن وجود ملفات قديمة وأخرى جديدة، فإن من حق الومغاري أن يطلب توضيحات وأن يسلك، إذا رأى أن الأمر يستوجب ذلك، الطريق القضائي.
والقضاء هنا ليس وسيلة لتصفية الحسابات السياسية، وإنما مؤسسة يفترض أن تكون الفيصل بين الادعاء والدليل.
بل إن اللجوء إلى القضاء، في مثل هذه الحالات، قد يكون أكثر فائدة للرأي العام من استمرار حرب التصريحات؛ لأن الملف عندما يصل إلى القضاء تصبح الأسئلة محددة، والأدلة قابلة للفحص، والمسؤوليات قابلة للتحديد وفق القانون.

«سأخرج الملفات».. عبارة ثقيلة لا تحتمل المنطقة الرمادية سياسياً وإعلامياً، لا يمكن إطلاق عبارة من قبيل «هناك ملفات» ثم ترك الرأي العام أمام عشرات التأويلات.
لأن مثل هذه العبارات تخلق انطباعاً بوجود وقائع خطيرة، حتى وإن لم يتم تقديم أي وثيقة تثبتها.
ومن هنا، فإن الخالدي أمام خيار واضح:
إما أن يخرج ما لديه من وثائق ويسلك بها الطريق القانوني، أو يوضح للرأي العام أن حديثه لا يتجاوز الموقف السياسي ولا يستند إلى ملفات تتضمن مخالفات مثبتة.
أما إبقاء الملفات في منطقة التهديد بالكشف عنها «إذا لم تتم الاستجابة للمطالب»، فذلك يفتح باباً آخر من الأسئلة حول طبيعة العلاقة بين العمل السياسي والمعطيات التي يفترض، إن كانت ذات صلة بمخالفات للقانون، أن تكون موضوع تبليغ للجهات المختصة لا موضوع تفاوض سياسي.
وأين تقف أزمة الحافلات من كل هذا؟
المفارقة أن أزمة النقل نفسها قد تكون أبسط من المعركة التي نشبت حولها.
فالومغاري قدم رواية تقول إن توقف الخط الرابط بين مكناس وويسلان ارتبط بانتهاء الترخيص الاستثنائي والمؤقت الذي كان يسمح للحافلات بالعمل خارج المجال الترابي لجماعة مكناس، مؤكداً أن استمرار الخدمة دون ترخيص ساري المفعول كان سيطرح إشكالات قانونية مرتبطة بالمسؤولية والتأمين وسلامة الركاب. كما أشار إلى توصل الجماعة بمراسلة من رئيس جماعة ويسلان يوم 25 شتنبر بشأن مواصلة الخدمة والتشاور بشأن تجديد الترخيص.
هذه رواية يمكن مناقشتها والتحقق من وثائقها.
لكنها تختلف جذرياً عن الرواية التي تحدثت عن انتقام انتخابي من ساكنة ويسلان بسبب نتائج اقتراع 23 شتنبر.
وهنا أيضاً لا يحتاج المواطن إلى خطابات متبادلة، بل يحتاج إلى جواب بسيط:
هل كان توقف الحافلات قراراً تقنياً وقانونياً أم قراراً سياسياً؟
الوثائق وحدها تستطيع الإجابة.
الانتخابات انتهت.. فلماذا يبدأ الصراع الآن؟
السياق الزمني لا يمكن تجاهله.
فالأزمة تفجرت مباشرة بعد الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر، وهو ما جعل البعض يربط بين توقف النقل وبين الخريطة الانتخابية الجديدة في ويسلان.
لكن الربط الزمني وحده لا يثبت وجود علاقة سببية.
ولهذا، فإن تحميل الومغاري مسؤولية «معاقبة» ويسلان بسبب تصويتها يحتاج إلى دليل، كما أن نفي وجود أي خلفية سياسية يحتاج بدوره إلى توضيح مؤسساتي ووثائق يمكن للرأي العام الاطلاع عليها.

السياسة لا تُحسم بالتأويلات، وإنما بالوقائع.

إلى الخالدي: إن كان لديك ملف.. أخرجه

ربما يكون أهم ما يمكن أن يقال في هذه القضية هو أن الرأي العام المحلي لا يحتاج إلى مزيد من التهديدات ولا إلى مزيد من الفيديوهات.
يحتاج إلى الحقيقة.
إذا كان الخالدي يتوفر على ملفات حقيقية تتضمن مخالفات، فليقدمها إلى الجهات المختصة، ولتأخذ العدالة مجراها.
وإذا كان يتوفر على وثائق تتعلق بتدبير جماعة مكناس أو مسؤولين فيها، فليضعها أمام المؤسسات الرقابية والقضائية، بدل أن تبقى حبيسة التصريحات.
فإذا كانت الملفات خطيرة بالفعل، فإن الصمت عنها ليس موقفاً مفهوماً.
وإذا لم تكن كذلك، فإن التلويح بها يضر بصورة النقاش السياسي ويزيد من منسوب الاحتقان دون أن يخدم ساكنة ويسلان.

وإلى الومغاري: القضاء هو الفيصل

وفي المقابل، إذا كان رئيس جماعة مكناس يعتبر أن ما صدر عن الخالدي يتضمن اتهامات غير صحيحة تمس سمعته أو شخصه، فإن أمامه المساطر القانونية التي تمكنه من الدفاع عن حقوقه، بل إن اللجوء إلى القضاء قد يكون، في هذه الحالة، أفضل جواب سياسي ومؤسساتي؛ لأن الملف القضائي، بعكس مواقع التواصل، لا تحسمه كثرة المشاهدات ولا قوة الخطاب، وإنما الأدلة والحجج والوقائع.
وعندها سيكون على كل طرف أن يتحمل مسؤولية ما قاله.
المواطن ينتظر الحافلة.. لا ينتظر الحرب السياسية
وسط كل هذه الضجة، هناك طرف لا يملك ترف الدخول في هذه الحرب:
المواطن.
طالب ينتظر حافلة للوصول إلى مدرسته أو جامعته، موظف ينتظر وسيلة نقله إلى العمل، عامل يريد الوصول في الوقت المحدد، أسرة تريد خدمة نقل منتظمة وآمنة.
هؤلاء لا يريدون أن يعرفوا من انتصر في السجال بين الخالدي والومغاري.
يريدون فقط أن تتحرك الحافلات.
أما «الملفات» التي يتحدث عنها الخالدي، فإن كانت موجودة، فلتخرج إلى النور عبر المؤسسات المختصة.
وأما الاتهامات الموجهة إلى الومغاري، فإن كان يعتبرها باطلة، فليترك للقضاء مهمة الحسم فيها.
فالمرحلة لم تعد تحتمل نصف الحقيقة: إما وثيقة تُعرض، أو اتهام يُسحب، أو قضاء يفصل بين الطرفين.
وفي كل الحالات، تبقى القاعدة الأهم: ويسلان ليست ورقة انتخابية، ومكناس ليست ساحة لتصفية الحسابات، والنقل العمومي مرفق لخدمة المواطن وليس أداة للصراع السياسي.