الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

ديوه لكازا».. صرخة ساكنة خريبكة بين مطرقة العجز الطبي وسندان «طريق الموت

IMG-20260825-WA0022

مصطفى قبلاني/خريبكة.

 

لم تعد عبارة «ديوه لكازا» (خذه إلى الدار البيضاء) مجرد توجيه طبي روتيني يُقال لعائلات المرضى في المستشفى الإقليمي الحسن الثاني بخريبكة، بل أضحت قرينة عجز مكرسة وحكماً قاسياً يسابق الزمن، يُفرض على كل من داهمه خطر صحي داهم في مدينة تُغذي ثرواتها اقتصاد البلاد، وتُعجز مرافقها الصحية عن إنقاذ أرواح أبنائها. تختصر هذه الجملة البسيطة في ظاهرها، والقاسية في واقعها، كل أشكال الخذلان الذي يواجهه المواطن الخريبكي لحظة الخطر؛ فهي لم تعد مجرد عبارة توجيهية، بل أصبحت اعترافاً ضمنياً بالعجز، وتأجيلاً لإعادة الحياة إلى مكان آخر قد لا يصله المريض في الوقت المناسب.

حادثتان فاجعتان لوفاة شاب وسيدة عقب نقلهما القسري نحو المستشفى الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، رسبتا مجدداً ما تبقى من ثقة الساكنة في منظومة إقليمية أضحت تُتقن تصدير الأزمات بدلاً من مواجهتها. أن تقطع سيارة الإسعاف زهاء ساعة ونصف على الطريق السريع، والجرح ينزف أو القلب يحتضر، فتلك ليست رحلة علاج؛ بل هي مقامرة صريحة بأرواح البشر تحت مظلة غياب التخصص ونقص التجهيز. أن يتحول النقل الصحي من إجراء استثنائي للحالات الدقيقة إلى قاعدة عامة لكل حالة حرجة، فهذا يعني أن المستشفى الإقليمي أصبح مجرد محطة عبور تُرحّل الأزمات بدلاً من مواجهتها، فكل دقيقة تمر في الطريق السريع هي رهان غير مضمون على حياة مريض يحتاج تدخلاً فورياً.

إن الأزمة الحقيقية بخريبكة لا تكمن في غياب الكفاءات العلمية الدقيقة التي يتطلبها الطب الجامعي الحديث، بل في غياب أبسط قواعد الرعاية الاستعجالية والإنعاش الأولي الكفيل بتثبيت حالة المريض قبل الإحالة. فأن يُترك المصاب لمصيره تحت ذريعة الانتظار، أو يواجه أهله بعبارات الجفاف الإداري، فذاك يطرح استفهامات حارقة حول جدوى وجود مستشفى إقليمي يُفترض فيه أن يكون خط الدفاع الأول عن الحياة. تحويل الحالات دون تقديم الحد الأدنى من الإنعاش الأولي يجعل عملية النقل نفسها خطراً إضافياً، ويُظهر استخفافاً تاماً بحياة الإنسان.

إن تهميش القطاع الصحي في مدينة ذات وزن اقتصادي كبير يضع المجالس المنتخبة والجهات الوصية أمام سؤال الجاهزية والكرامة، ويستوجب انخراط المنتخبين والمسؤولين والقائمين على الشأن المحلي ومختلف الفاعلين بالمدينة، من أجل الدفاع عن ملف صحي يهم آلاف المواطنين.

المطالبة بمستشفى مجهز وكوادر قادرة على التعامل مع الطوارئ ليست مطلباً فئوياً، بل هي حق أساسي يكفله الدستور وتفرضه الكرامة الإنسانية. فإلى متى يظل إنقاذ الأرواح في خريبكة معلقاً على سرعة سيارة الإسعاف وطريق الدار البيضاء، ويظل المواطن الخريبكي رهينة “عداد الكيلومترات”، وتستمر الأرواح في التلاشي على طريق الموت؟