تعيش أوساط حزب التجمع الوطني للأحرار بجهة سوس ماسة حالة من الترقب السياسي والتنظيمي، في انتظار الحسم المرتقب في اسم وكيلة اللائحة الجهوية النسوية، وسط تداول معطيات تفيد بأن الإعلان الرسمي عن القرار قد يتم نهاية هذا الأسبوع بمدينة أكادير، بحضور رئيس الحزب عزيز أخنوش وعدد من القيادات والمقربين منه. وبينما لم يصدر، إلى حدود الآن، إعلان رسمي يحسم بشكل نهائي هوية المرشحة، فإن مجرد تداول إمكانية استقدام سيدة من خارج جهة سوس ماسة لقيادة اللائحة بدأ يثير موجة من التساؤلات داخل الأوساط الحزبية والسياسية، بل ويضع قيادة الحزب أمام اختبار سياسي وتنظيمي بالغ الحساسية: هل تعجز جهة بحجم سوس ماسة، بما راكمته من تجارب انتخابية وتنظيمية، وبما تتوفر عليه من نساء فاعلات وكفاءات سياسية وجمعوية ومهنية، عن إنتاج امرأة قادرة على تمثيلها تحت قبة البرلمان؟ وهل أصبحت الكفاءات النسائية المحلية مجرد خزّان انتخابي يُستدعى للتعبئة وحشد الأصوات وخوض المعارك الانتخابية، قبل أن يتم تجاوزها عندما يحين موعد اختيار مواقع التمثيلية السياسية؟ إن قرار انتداب وكيلة من خارج الجهة، إذا تم اعتماده، لن يكون في نظر كثير من المتابعين مجرد اختيار تنظيمي عابر، بل قد يتحول إلى رسالة سياسية ثقيلة داخل الحزب، خصوصاً بالنسبة إلى قيادات ومناضلين ومناضلات راكموا سنوات من العمل الميداني والتنظيمي والانتخابي داخل الجهة. فسوس ماسة ليست منطقة هامشية في الخريطة السياسية الوطنية، ولا تفتقر إلى النخب والكفاءات النسائية؛ بل هي جهة راكمت تجارب سياسية وانتخابية وتنظيمية مهمة، وتضم نساء شاركن في العمل الجماعي والحزبي والجمعوي، وخضن الاستحقاقات الانتخابية، وتحملن مسؤوليات محلية وإقليمية وجهوية ووطنية، واشتغلن في الميدان حين كان العمل السياسي يحتاج إلى الحضور اليومي والتواصل المباشر وبناء الثقة مع المواطنين. ولذلك فإن تجاوز هذه الكفاءات، إن تم، قد يُقرأ داخل القواعد باعتباره مؤشراً على أن سنوات النضال والعمل داخل الجهة لا تضمن بالضرورة الوصول إلى مواقع التمثيلية، وأن القرار النهائي يمكن أن يُصنع خارج المجال الترابي والتنظيم المحلي، مهما كانت الأسماء والكفاءات الموجودة داخله. والأخطر أن مثل هذا القرار قد يفتح جرحاً تنظيمياً عميقاً يصعب رأبه، لأن المناضل والمناضلة لا يبحثان فقط عن موقع انتخابي، وإنما يبحثان أيضاً عن الاعتراف بالتراكم والمجهود والاستحقاق. وعندما يشعر أبناء التنظيم بأن طريق المسؤولية لا يمر بالضرورة عبر الكفاءة والتجربة والنضال، وإنما عبر حسابات أخرى، فإن الخسارة لا تتوقف عند مرشحة أو مقعد برلماني، بل قد تمتد إلى الثقة بين القيادة والقواعد، وهي الثقة التي تشكل العمود الفقري لأي تنظيم سياسي يريد الاستمرار في المنافسة والتمدد. ومن هنا، فإن التجمع الوطني للأحرار قد يكون أمام آخر أوراقه في سوس ماسة؛ فاختيار شخصية نسائية من خارج الجهة، في حال تأكد، قد يدفع عدداً من القيادات والمناضلين والمناضلات إلى إعادة النظر في علاقتهم بالتنظيم، ليس فقط داخل سوس ماسة، وإنما أيضاً خارجها، خصوصاً إذا ترسخ الانطباع بأن الكفاءات المحلية يتم تجاوزها لفائدة أسماء يتم استقدامها من خارج المجال الترابي. وقد لا تكون تداعيات القرار انتخابية فحسب، بل تنظيمية وسياسية أيضاً، لأن أي حزب يحتاج إلى قواعد مقتنعة بأن جهدها وتضحياتها يمكن أن تتحول إلى مسؤولية وتمثيلية، لا أن تظل محصورة في الحملات الانتخابية والتعبئة الميدانية. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة هو: هل يعقل أن يكون حزب التجمع الوطني للأحرار، بكل حضوره الانتخابي والتنظيمي في جهة سوس ماسة، عاجزاً عن العثور داخل الجهة على امرأة تجمع بين الكفاءة والخبرة والنضال السياسي والقدرة على التواصل والتمثيل؟ أم أن قيادة الحزب تستعد لاتخاذ قرار قد يضعها في مواجهة مباشرة مع جزء من قواعدها وقياداتها المحلية؟ إن الأمر لا يتعلق فقط باسم امرأة ستتصدر لائحة انتخابية، وإنما يتعلق بصورة الحزب عن نفسه، وبمدى إيمانه بمبادئ الكفاءة والإنصاف المجالي وتمكين النخب المحلية، وبمدى قدرته على منح تنظيماته الجهوية حقها في إنتاج قياداتها. وإذا كانت سوس ماسة قد قدمت للحزب أصواتاً وقيادات ومناضلين ومناضلات وخاضت إلى جانبه معارك انتخابية متعددة، فإن السؤال المشروع هو: ماذا سيقدم الحزب بالمقابل لنخب هذه الجهة؟ وهل سيمنحها فرصة التمثيل أم سيقرر أن الكفاءة تبدأ وتنتهي خارج حدودها؟ لذلك، فإن الساعات المقبلة قد تكون حاسمة، وإذا اختارت القيادة فعلاً استقدام وكيلة من خارج سوس ماسة، فقد يكون القرار بمثابة مقامرة سياسية وتنظيمية غير محسوبة، وربما «آخر مسمار» في العلاقة بين القيادة المركزية وعدد من الكفاءات والقواعد داخل الجهة. أما إذا اختارت قيادة الحزب امرأة من داخل سوس ماسة، فإنها ستكون أمام فرصة لتوجيه رسالة واضحة مفادها أن الحزب يثق في نخب جهاته، وأن العمل والنضال والتجربة والكفاءة المحلية يمكن أن تكون طريقاً حقيقياً نحو التمثيلية الوطنية. وبين الخيارين، تبقى الأنظار متجهة إلى أكادير في انتظار لحظة الحسم، حيث لن يكون السؤال فقط: من ستقود اللائحة النسائية؟ بل سيكون السؤال الأعمق: هل اختار التجمع الوطني للأحرار في سوس ماسة الاستثمار في نخبته المحلية، أم قرر أن يلعب آخر أوراقه في معركة قد تكون كلفتها أكبر من مجرد مقعد انتخابي؟

