الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

النيابة العامة واستبطان الحكامة العقابية: هندسة التفعيل الإجرائي للعقوبات البديلة بين الشرعية الزجرية والنجاعة التدبيرية.

IMG-20260805-WA0062

 

 

بقلم :حبيل رشيد.

 

يقول عالم الاجتماع الأمريكي روبرت كينغ ميرتون (Robert K. Merton): “إن قيمة أي إصلاح قانوني لا تُقاس بعدد النصوص التي تُسن، وإنما بقدرة المؤسسات التي تتولى تنفيذها على تحويل المبادئ المجردة إلى ممارسات يومية منضبطة، فالقانون الذي يعجز عن إنتاج أثره في الواقع يظل حبراً يشيخ فوق الورق، أما المؤسسة التي تُحسن تنزيله فإنها تمنح العدالة حياةً ثانية تتجاوز حدود النصوص.”

 

من الثابت أن السياسة الجنائية المعاصرة لم تعد تقاس بصرامة العقوبة وحدها، وإنما بقدرتها على إنتاج عدالة أكثر فاعلية، وأشد اتزاناً، وأكثر انسجاماً مع التحولات الدستورية والحقوقية التي تعرفها الدول الحديثة. ولذلك جاء القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة باعتباره محطة تشريعية مفصلية نقلت الفلسفة العقابية المغربية من منطق الاحتجاز الميكانيكي إلى منطق التدبير الإصلاحي، ومن ثقافة السلب المطلق للحرية إلى هندسة قانونية تستثمر آليات التأهيل والاحتواء وإعادة الإدماج. وداخل هذا البناء التشريعي الجديد، برزت النيابة العامة باعتبارها الحلقة الأكثر تأثيراً في معادلة التفعيل، لأنها الجهة المؤتمنة دستورياً على تنفيذ السياسة الجنائية، والساهرة على التطبيق السليم للقانون، والمخولة لضمان الانتقال الآمن من النص إلى الواقع.

 

القانون رقم 43.22 لم يأت بإجراء شكلي أو تعديل محدود، وإنما أعاد رسم الخريطة المفاهيمية للعقوبة ذاتها، بعدما أدرج ضمن مجموعة القانون الجنائي الفصول 35-1 إلى 35-13، وعدل قانون المسطرة الجنائية بإضافة المواد 647-2 إلى 647-29، وهي مقتضيات تشكل منظومة إجرائية متكاملة تؤطر إصدار العقوبات البديلة وتنفيذها ومراقبتها وإنهاء آثارها القانونية. ولذلك فإن الحديث عن العقوبات البديلة لم يعد حديثاً عن مجرد استثناء تشريعي، وإنما عن فلسفة زجرية جديدة قوامها النجاعة، والتناسب، والتفريد، وترشيد اللجوء إلى الاعتقال.

 

وتبعاً لذلك، منح المشرع للنيابة العامة صلاحيات دقيقة تتجاوز الوظيفة التقليدية في تحريك الدعوى العمومية، لتصبح شريكاً مؤسساتياً في صناعة القرار العقابي ذاته. فهي، بمقتضى المادة 647-22 من قانون المسطرة الجنائية، تملك سلطة التماس استبدال العقوبة السالبة للحرية بعقوبة بديلة، سواء أثناء المحاكمة أو بعد اكتساب الحكم لقوة الشيء المقضي به، متى توفرت الشروط القانونية، وعلى رأسها ألا تتجاوز العقوبة المحكوم بها خمس سنوات حبسا نافذا، وألا تكون الجريمة من الجرائم المستثناة المنصوص عليها في الفصل 35-3 من مجموعة القانون الجنائي، وألا يكون المحكوم عليه في حالة عود.

 

ولا شك أن هذه السلطة الاقتراحية لا تمثل مجرد إجراء شكلي، وإنما تعكس انتقال النيابة العامة من مفهوم الخصومة الجنائية إلى مفهوم الحكامة العقابية، إذ أصبح قاضي النيابة العامة مطالباً بإجراء تقييم مركب يأخذ بعين الاعتبار شخصية المتهم، وخطورته الإجرامية، ووضعه الاجتماعي، ومحيطه الأسري، وقدرته الواقعية على الامتثال للعقوبة البديلة، وهو ما يجعل الملتمس الصادر عنه وثيقة قانونية ذات حمولة تقنية تتجاوز مجرد المطالبة بالإدانة.

 

ومن المؤكد أن المشرع لم يترك هذا الاختصاص دون ضوابط، فالعقوبات البديلة لا تشمل الجنايات، كما تمتد الاستثناءات إلى جرائم الإرهاب المنصوص عليها في الفصول 163 إلى 218-9، وجرائم الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ الواردة بالفصول 241 إلى 256-2، وجرائم غسل الأموال المنصوص عليها في الفصول 574-1 إلى 574-7، إضافة إلى الجرائم العسكرية والاستغلال الجنسي للأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة. وهو استثناء يعكس إرادة تشريعية تروم حماية الأمن العام وصيانة الثقة في المؤسسات، دون الإخلال بالفلسفة الإصلاحية للعقوبات البديلة.

 

أما من حيث التصنيف، فقد حدد الفصل 35-2 أربعة أصناف للعقوبات البديلة، تتمثل في العمل لأجل المنفعة العامة، والمراقبة الإلكترونية، وتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية، ثم الغرامة اليومية. ويلاحظ أن هذه الأصناف تمثل منظومة عقابية ذات طبيعة مرنة، تسمح للقاضي بتفريد الجزاء وفق خصوصية كل حالة، بعيداً عن النمطية التي ظلت تطبع العقوبات الحبسية قصيرة المدة.

 

غير أن القيمة الحقيقية لهذا النظام لا تكمن في النصوص وحدها، وإنما في آليات التنفيذ. ولذلك منح القانون للنيابة العامة صلاحيات رقابية واسعة تجعلها فاعلاً مركزياً في مراقبة حسن تنزيل العقوبات البديلة. فبموجب المادة 647-8 من قانون المسطرة الجنائية، يجوز لها القيام بزيارات تفقدية للمؤسسات المحتضنة للمحكوم عليهم بعقوبة العمل لأجل المنفعة العامة، للتأكد من سلامة التنفيذ، ومدى احترام البرامج الزمنية، وملاءمة ظروف العمل للمقتضيات القانونية.

 

كما تمتد هذه الرقابة إلى المراقبة الإلكترونية، التي نظمها المرسوم رقم 2.25.386، حيث أحدث منصة وطنية ومنصات جهوية لتتبع المحكوم عليهم بواسطة الوسائل الإلكترونية، مع إلزام الإدارة المكلفة بالسجون بإشعار النيابة العامة فور تسجيل أي إخلال أو محاولة تعطيل أو إتلاف للأجهزة الإلكترونية، حتى تتمكن من تحريك الإجراءات الزجرية المنصوص عليها في المادة 647-12 من قانون المسطرة الجنائية، واتخاذ التدابير الكفيلة بإرجاع المحكوم عليه إلى دائرة التنفيذ.

 

ولأن العقوبات البديلة ترتكز على الامتثال الطوعي والانضباط القانوني، فقد منح المشرع للنيابة العامة دوراً حاسماً عند الإخلال بشروط التنفيذ. فمتى ثبت الامتناع عن أداء العمل للمنفعة العامة، أو خرق شروط المراقبة الإلكترونية، أو مخالفة التدابير العلاجية أو التأهيلية، أو الامتناع عن أداء الغرامة اليومية، أمكن لقاضي تطبيق العقوبات إصدار أمر بتنفيذ العقوبة الأصلية أو ما تبقى منها، لتباشر النيابة العامة فوراً إجراءات التنفيذ الجبري، بما في ذلك إصدار أوامر البحث، وتسخير الشرطة القضائية، وضمان إعادة المحكوم عليه إلى المؤسسة السجنية وفق القواعد العامة للتنفيذ الزجري.

 

وفي المقابل، فإن نجاح المحكوم عليه في تنفيذ العقوبة البديلة يمنحه آثاراً قانونية ذات أهمية بالغة، إذ يصدر قاضي تطبيق العقوبات مقرراً بتمام التنفيذ استناداً إلى التقارير الواردة من الإدارة المكلفة بالسجون، مع إحالة نسخة إلى النيابة العامة قصد تحيين السجلات الخاصة، وإغلاق مسطرة التنفيذ، مع احتفاظها بحق المنازعة في هذا المقرر داخل أجل ثلاثة أيام طبقاً للمادتين 599 و600 من قانون المسطرة الجنائية، وهو ما يعكس استمرار الرقابة القضائية حتى آخر مراحل التنفيذ.

 

وتؤكد المعطيات القضائية المعلنة خلال افتتاح السنة القضائية أن المحاكم المغربية أصدرت خلال الفترة الممتدة من 8 شتنبر إلى 31 دجنبر 2025 ما مجموعه 1001 حكم بالعقوبات البديلة، استفاد منها 1077 شخصاً، توزعت بين الغرامة اليومية، والعمل لأجل المنفعة العامة، والتدابير الرقابية والعلاجية، والمراقبة الإلكترونية، وهو مؤشر يعكس بداية تشكل ثقافة قضائية جديدة تؤمن بأن الردع لا يتحقق بالحبس وحده، وإنما بحسن تدبير الجزاء.

 

وفي المحصلة، فإن الحكامة العقابية التي أرساها القانون رقم 43.22 لم تجعل النيابة العامة مجرد جهاز للاتهام أو التنفيذ، وإنما حولتها إلى مؤسسة استراتيجية تضطلع بوظائف الاقتراح، والتقييم، والتقويم، والمراقبة، والتتبع، والتنسيق، بما يجعلها الضامن الحقيقي لفعالية العقوبات البديلة، والحارس المؤسساتي لشرعية تنفيذها. فنجاح هذا الورش التشريعي لن يقاس بعدد الأحكام الصادرة، وإنما بقدرته على صناعة مواطن أعيد إدماجه، وضحية استعيد حقها، ومجتمع تحققت فيه الحماية دون تضخم العقاب… فالعدالة الرشيدة لا تنتصر حين تمتلئ السجون، وإنما حين تتراجع أسباب العودة إليها.