الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

حين يصبح البنزين أهم من الإنسان صمتٌ رسمي يترك البحر يتكلم!

IMG-20260801-WA0038

 

 

 

 

بقلم/ سيداتي بيدا

 

ليست كل الأزمات امتحانًا للحدود، فبعضها امتحان للضمير.

 

بينما كانت الأنظار تتجه إلى سبتة، حيث تتقاطع المأساة الإنسانية مع تعقيدات السياسة والهجرة، كان المواطن المغربي يبحث عن كلمة رسمية تُطمئن القلوب، أو موقفٍ يواسي العائلات التي تعيش على وقع القلق والفقد. غير أن المشهد بدا مختلفًا؛ فالنقاش العام انشغل بقضايا اقتصادية، فيما بقيت الأسئلة الكبرى معلقة فوق أمواج البحر.

 

في مثل هذه اللحظات، لا ينتظر الناس المعجزات، بل ينتظرون الحضور. فالدولة لا تُختبر فقط بما تنجزه، وإنما أيضًا بكيفية مخاطبتها لمواطنيها عندما تضيق بهم السبل. والصمت، مهما كانت مبرراته، يترك فراغًا تملؤه الإشاعات، وتغذيه منصات التواصل، ويضاعف شعور الناس بأنهم وحدهم في مواجهة المأساة.

 

وفي المقابل، كانت هناك أسر تستيقظ كل صباح على أمل اتصال يبدد الخوف، وأمهات يحملن أسماء أبنائهن في الدعاء أكثر مما يحملنها في الذاكرة، وعائلات تنتظر خبرًا قد يكون مؤلمًا، لكنه أقل قسوة من انتظارٍ بلا نهاية. تلك ليست مجرد وقائع عابرة، بل جراح اجتماعية ستبقى آثارها طويلة.

 

أما المشاهد المتداولة التي أظهرت تعرض بعض المهاجرين لسوء المعاملة أو للإهانة، فقد زادت من حدة الصدمة، لأن الكرامة الإنسانية لا ينبغي أن تصبح ضحية للحدود أو للخلافات السياسية. واحترام الإنسان يظل مبدأً لا يسقط باختلاف الجنسية أو الوضع القانوني.

 

المؤلم أن كثيرًا من الشباب الذين خاطروا بحياتهم لم يكونوا يطاردون رفاهية، بل كانوا يبحثون عن نافذة أمل، وعن فرصة عمل، وعن مستقبل يعتقدون أنه لم يعد ممكنًا داخل وطنهم. وعندما يصبح البحر أكثر إغراءً من اليابسة، فذلك مؤشر يستحق وقفة صادقة، لا سجالًا عابرًا.

 

ثم يأتي موسم الانتخابات، فتعود الوعود بخطابها المعتاد، وكأن الذاكرة الجماعية تُعاد برمجتها كل خمس سنوات. تتغير الشعارات، لكن الأسئلة تبقى هي نفسها: كيف يُطلب تجديد الثقة قبل استعادة ثقة الناس؟ وكيف يُقنع المواطن بأن الغد سيكون أفضل إذا كان حاضرُه مثقلًا بالقلق والإحباط؟

 

السخرية الحقيقية ليست في تعليقات المواطنين، بل في مشهد سياسي يبدو أحيانًا وكأنه يتحدث بلغة تختلف عن لغة الشارع. فبينما يبحث الناس عن الكرامة، ينشغل الخطاب الرسمي غالبًا بالأرقام، وبينما تنتظر الأمهات كلمة مواساة، يطغى الحديث عن مؤشرات وأسعار وتوازنات.

 

إن الأوطان لا يحميها الصمت، ولا تبنيها البيانات وحدها، ولا تصنعها الحملات الانتخابية. الأوطان يحفظها شعور المواطن بأن صوته مسموع، وأن كرامته مصونة، وأن حياته تتقدم على كل الملفات الأخرى.

 

فحين يصبح الحديث عن أسعار الوقود أعلى صوتا من الحديث عن الانسان لا تكون المشكلة في البنزين بل في ترتيب الاولويات .