سعيد الطهاري : الأحداث الوطنية
في خطوة تحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز مجرد البحث عن حل ظرفي لأزمة النقل الحضري، أعلن مجلس جماعة مكناس عن توجهه نحو إحداث شركة للتنمية المحلية لتتولى تدبير مرفق النقل بواسطة الحافلات، في تحول يعد من أبرز القرارات التي عرفها هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة، ويعكس رغبة المجلس في الانتقال من مرحلة تدبير الأزمة إلى مرحلة بناء نموذج جديد للحكامة والتسيير.
ويأتي هذا التوجه في سياق الأزمة التي تفاقمت خلال الأشهر الأخيرة، بعدما عجزت الشركة المفوض لها تدبير القطاع عن الوفاء بالتزاماتها التعاقدية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حياة آلاف المواطنين الذين وجدوا أنفسهم أمام خدمة متعثرة لا تستجيب للحد الأدنى من متطلبات التنقل اليومي.
بلاغ رسمي يرسم معالم المرحلة المقبلة
البلاغ الصادر عن رئاسة مجلس جماعة مكناس لم يكتف بعرض الوضعية الحالية، بل قدم خارطة طريق واضحة للخروج من الأزمة، مؤكدا أن المجلس تابع الملف بمسؤولية واستنفد مختلف الإمكانيات القانونية والإدارية للحفاظ على استمرارية المرفق العمومي، غير أن الشركة المفوض لها لم تنجح في تنفيذ التزاماتها، خاصة ما يتعلق بتحديث الأسطول، وتأهيل شبكة الاستغلال، وتحسين جودة الخدمات، رغم استفادتها من تمديد عقد التدبير المفوض لمدة سبع سنوات إضافية.
ويشير البلاغ إلى أن استمرار هذا الوضع أدى إلى تدهور الخدمة ووصولها إلى مرحلة التوقف الكلي، الأمر الذي ألحق أضرارا مباشرة بالطلبة والعمال والموظفين والمرضى، وكل الفئات التي تعتمد يوميا على النقل الحضري.
ماذا يقصد رئيس الجماعة بشركة التنمية المحلية؟
بعيدا عن التأويلات، فإن المقصود بشركة التنمية المحلية ليس إنشاء شركة خاصة جديدة، وإنما إحداث شركة ذات طابع عمومي تخضع لمقتضيات القانون المنظم لشركات التنمية المحلية، تساهم في رأسمالها جماعة مكناس، وقد تنضم إليها مؤسسات عمومية أخرى، لتتولى تدبير مرفق النقل الحضري وفق رؤية تعتمد الحكامة، والنجاعة، والمراقبة المباشرة.
وبذلك ينتقل تدبير القطاع من نموذج التدبير المفوض الذي تعتمد فيه الجماعة على شركة خاصة، إلى نموذج تكون فيه الجماعة فاعلا أساسيا في التسيير واتخاذ القرار، بما يمنحها قدرة أكبر على تتبع الأداء، وضمان تنفيذ البرامج الاستثمارية، وتحسين جودة الخدمات، وحماية المال العام.
رهان على الحكامة بدل منطق التدبير التقليدي
اختيار شركة التنمية المحلية يعكس، بحسب ما ورد في البلاغ، رغبة المجلس في اعتماد النموذج الذي أصبحت تلجأ إليه العديد من الجماعات الترابية بالمملكة لتدبير المرافق الحيوية، لما يوفره من مرونة في التدبير، وإمكانية تعبئة التمويلات، وتسريع وتيرة الاستثمار، مع إخضاع الشركة لمراقبة المؤسسات المنتخبة وأجهزة الرقابة المالية.
كما يؤكد البلاغ أن هذا النموذج ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تحديث تدبير المرافق العمومية، وإرساء حكامة حديثة تجعل مصلحة المواطن وجودة الخدمة فوق كل اعتبار.
ضمان حقوق المستخدمين واستمرارية المرفق
ومن بين الرسائل التي حرص البلاغ على توجيهها، التأكيد على أن المشروع الجديد لن يكون على حساب المستخدمين الحاليين، إذ التزم المجلس بالحفاظ على جميع حقوقهم المكتسبة وضمان استمرارية عملهم، في خطوة تروم توفير الاستقرار الاجتماعي داخل هذا القطاع الحيوي.
كما كشف البلاغ أن المجلس سيدرس خلال دورته الاستثنائية المقررة يوم 27 يوليوز 2026 مشروع إحداث شركة التنمية المحلية، إلى جانب مختلف الوثائق القانونية والتنظيمية اللازمة لإخراج هذا المشروع إلى حيز التنفيذ، بما يسمح باستئناف خدمة النقل الحضري وفق تصور جديد.
قرار ينتظر الاختبار على أرض الواقع
ورغم أن الإعلان عن إنشاء شركة للتنمية المحلية يشكل مؤشرا على إرادة سياسية لإعادة هيكلة قطاع النقل الحضري، فإن نجاح هذا المشروع سيظل رهينا بسرعة تنزيله، وتوفير الموارد المالية والبشرية الكافية، واقتناء أسطول حديث قادر على تلبية حاجيات ساكنة مكناس، إلى جانب إرساء منظومة تدبير شفافة تقوم على النجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وبين أزمة “سيتي باص” ورهان شركة التنمية المحلية، تبدو مدينة مكناس أمام منعطف حاسم قد يعيد رسم مستقبل أحد أكثر مرافقها العمومية حساسية، في انتظار أن تتحول الوعود المعلنة إلى واقع ملموس يعيد للمواطن ثقته في خدمة النقل الحضري، ويواكب الدينامية التنموية التي تعرفها العاصمة الإسماعيلية.

