الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

جيلٌ يُستنزف بصمت عندما يصبح الفراغ أخطر من البطالة من يوقف نزيف شباب الأقاليم الجنوبية؟

IMG-20260722-WA0057

 

 

 

بقلم/ سيداتي بيدا

 

لا تنهار المجتمعات حين تعاني من أزمات اقتصادية فحسب، بل عندما تفقد أجيالها الثقة في المستقبل. فالخطر الحقيقي لا يكمن في البطالة وحدها، وإنما في ذلك الفراغ القاتل الذي يحاصر الشباب، ويحوله من طاقة قادرة على البناء إلى ضحية للإحباط والعزلة والانكسار.

إنها أزمة تتجاوز الأرقام والإحصاءات، لتلامس الأمن الاجتماعي والاستقرار الإنساني في أبعادهما الأكثر حساسية.

في عدد من الأقاليم الجنوبية، تتكرر مشاهد لا ينبغي أن تصبح مألوفة؛ شباب يحملون شهادات جامعية وكفاءات واعدة، لكنهم يصطدمون بواقع اقتصادي محدود، لا يفتح أمامهم أبواب الاندماج ولا يمنحهم فرصة لإثبات الذات. سنوات الانتظار لا تصنع سوى الإحباط، فيما يتحول الحلم المشروع بالعيش الكريم إلى معركة يومية مع اليأس.

إن البطالة ليست مجرد غياب لفرصة عمل، بل هي بداية سلسلة من التداعيات الاجتماعية والنفسية. فعندما يُحرم الشاب من الشعور بقيمته داخل المجتمع، تتآكل ثقته بنفسه، ويتحول الفراغ إلى بيئة خصبة لانتشار السلوكيات الخطرة، من الإدمان إلى الانطواء، ومن التفكك الأسري إلى مظاهر الهشاشة الاجتماعية التي تهدد تماسك المجتمع بأسره.

ولا يقل خطورة عن ذلك واقع خدمات الصحة النفسية، التي لا تزال دون مستوى التحديات. فكثير من الأسر تجد نفسها وحيدة أمام معاناة أبنائها، في ظل محدودية المراكز المتخصصة، وضعف المواكبة النفسية والاجتماعية، وارتفاع كلفة العلاج أو صعوبة الولوج إليه. والنتيجة أن الألم النفسي يبقى صامتاً حتى يتحول، في بعض الحالات، إلى مأساة يصعب احتواؤها.

إن استمرار هذا الوضع لا يمثل إخفاقاً اجتماعياً فقط، بل يشكل إنذاراً تنموياً وسياسياً أيضاً. فلا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية إذا بقي الإنسان خارج معادلة الأولويات، ولا يمكن لأي مشاريع عمرانية أن تعوض غياب الاستثمار في الإنسان، باعتباره الثروة الأكثر قيمة واستدامة.

إن المطلوب اليوم ليس إنتاج خطابات جديدة، بل تبني سياسات عمومية مسؤولة تجعل التشغيل المنتج، ودعم المقاولة الشبابية، وتأهيل الصحة النفسية، ومحاربة الإدمان، وتعزيز الإدماج الاجتماعي، ركائز أساسية لأي نموذج تنموي. كما أن المرحلة تفرض تمكين الكفاءات الشابة من المساهمة الفعلية في تدبير الشأن العام، بعيداً عن منطق الوعود الظرفية التي تتبخر بانتهاء المواسم الانتخابية.

إن شباب الأقاليم الجنوبية لا يطالبون بامتيازات استثنائية، بل بحقوق أصيلة تكفلها مبادئ العدالة والكرامة؛ فرصة عمل تحفظ الكرامة، وخدمات نفسية واجتماعية تضمن التوازن، وسياسات تنموية تضع الإنسان قبل الحجر.

أما ا الاستقرار في تجاهل هذه المؤشرات فلن يكون مجرد تاجيل للحلول بل مخاطرة حقيقية بمستقبل جيل كامل

وعندما يخسر الوطن شبابه فإنه لا يخسر افرادا فقط بل يفقد اعظم رأسمال يمتلكها لبناء الحاضر وصناعة المستقبل.