بقلم/ سيداتي بيدا
لم يعد الحديث عن الأشخاص في وضعية إعاقة ترفاً حقوقياً أو خطاباً مناسباتياً، بل أصبح معياراً حقيقياً لقياس نضج المجتمعات ومدى التزامها بمبادئ العدالة والمواطنة والمساواة. وفي هذا السياق، يكتسب اللقاء التواصلي حول “الإعلام وقضايا الأشخاص في وضعية إعاقة” المزمع تنظيمه بمدينة العيون، أهمية خاصة باعتباره فضاءً للحوار وتبادل الرؤى حول مسؤولية الإعلام في بناء مجتمع أكثر إنصافاً وإدماجاً.
فالرهان اليوم لم يعد يقتصر على تحسين صورة الأشخاص في وضعية إعاقة داخل وسائل الإعلام، بل يتجاوز ذلك إلى تمكينهم من ممارسة أدوارهم الكاملة كصحفيين، وإعلاميين، وباحثين، وفاعلين جمعويين ومدنيين، وصناع رأي قادرين على الإسهام في صياغة النقاش العمومي وإغناء الحياة الديمقراطية.
إن التجارب الوطنية والدولية أثبتت أن الإعاقة لا تنتقص من الكفاءة، وإنما تكشف حجم العوائق التي يفرضها المجتمع عندما يغيب الولوج، وتضعف فرص التكوين، وتتراجع سياسات الإدماج. لذلك، فإن الإعلام المهني مطالب اليوم بتجاوز الصورة النمطية التي تختزل هذه الفئة في خانة الشفقة أو المساعدة، والانتقال نحو خطاب يعترف بالكفاءة والإنجاز والحق في المشاركة.
وفي المقابل، يضطلع الفاعل الجمعوي والمدني بدور محوري في الدفاع عن الحقوق، والترافع من أجل سياسات عمومية أكثر عدالة، ومواكبة المبادرات التي تعزز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. فالجمعيات الجادة أصبحت شريكاً أساسياً في اقتراح الحلول، وتأطير النقاش، وتقديم الخبرة الميدانية التي تساعد صناع القرار على بلورة برامج أكثر فعالية.
كما يشكل الإعلام المسؤول رافعة أساسية لتغيير العقليات، عبر إنتاج محتوى يحترم الكرامة الإنسانية، ويبرز قصص النجاح، ويكشف التحديات بموضوعية، بعيداً عن الإثارة أو الاستغلال. فالإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث، بل قوة ناعمة تصنع الوعي، وتؤثر في السياسات، وتسهم في ترسيخ ثقافة الحقوق والمواطنة.
ومن هنا تبرز أهمية انخراط مؤسسات التكوين الإعلامي في إعداد صحفيين يمتلكون المعرفة القانونية والحقوقية المتعلقة بالإعاقة، ويستوعبون أخلاقيات التغطية الإعلامية، بما يضمن خطاباً مهنياً يحترم الإنسان قبل الخبر.
إن بناء مجتمع دامج لا يتحقق بالشعارات، بل بالشراكات الجادة بين المؤسسات، والإعلام، والمجتمع المدني، والأشخاص في وضعية إعاقة أنفسهم، باعتبارهم شركاء كاملي الحقوق والواجبات.
ويبقى اللقاء المرتقب بالعيون رسالة واضحة مفادها أن الإعلام المسؤول لا يمنح الصوت للفئات الهشة فحسب، بل يفسح لها المجال لتكون جزءا من صناعته وشريكا في رسم ملامح مجتمع يؤمن بأن الاختلاف مصدر قوة وان الكفاءة وحدها هي معيار التميز.

