بقلم/ سيداتي بيدا
ليست كل الصور التاريخية مجرد أرشيف جامد، فبعضها يحمل بين تفاصيله لحظة حاسمة غيّرت مسار الأحداث، ووضعت نهاية لمرحلة وبداية لأخرى. ومن بين تلك الصور، يبرز اللقاء الذي جمع وفداً من شيوخ وأعيان القبائل الصحراوية، أعضاء “الجماعة الصحراوية”، بكبار المسؤولين الإسبان في مدريد أواخر عام 1975، باعتباره محطة سياسية مفصلية سبقت إسدال الستار على الوجود الإسباني في الصحراء.
في إحدى القاعات الرسمية بالعاصمة الإسبانية، جلس الملك خوان كارلوس الأول إلى جانب رئيس الحكومة الإسبانية كارلوس أرياس نافارو، محاطين بكبار المسؤولين والدبلوماسيين، بينما جلس في الجهة المقابلة وفد صحراوي يرتدي الزي التقليدي الأصيل، يتقدمه الشيخ خطري ولد سعيد ولد الجماني، رفقة عدد من أبرز شيوخ وأعيان القبائل الذين شكلوا آنذاك الواجهة التمثيلية للجماعة الصحراوية.
لم يكن اللقاء مناسبة بروتوكولية عابرة، بل جاء في توقيت بالغ الحساسية، تزامناً مع شهري نوفمبر وديسمبر 1975، وهي الفترة التي شهدت توقيع اتفاقيات مدريد الثلاثية وبدء إنهاء الإدارة الإسبانية للإقليم، بعد عقود من الوجود الاستعماري الذي أصبح عاجزاً عن مجاراة التحولات السياسية التي فرضتها المرحلة.
وتفيد المعطيات التاريخية بأن الاجتماع خُصص للتداول في ترتيبات المرحلة الانتقالية والاستماع إلى ممثلي القبائل بشأن مستقبل الإقليم، في إطار مشاورات سياسية رافقت قرار إسبانيا إنهاء إدارتها للصحراء. وقد عكس اللقاء إدراك مدريد أن أي انتقال سياسي لا يمكن أن يتجاهل الفاعلين المحليين الذين كانوا يمثلون البنية القبلية والاجتماعية للإقليم.
وعقب تلك المشاورات، أعلن غالبية شيوخ وأعيان الجماعة الصحراوية قبولهم بالانضمام إلى المملكة المغربية، قبل أن تتوج هذه الخطوة بتجديد البيعة في الرباط، في حدث ظل حاضراً في الأدبيات السياسية والتاريخية باعتباره جزءاً من التطورات التي صاحبت إنهاء الإدارة الإسبانية.
وبعيداً عن السجالات السياسية، يبقى هذا اللقاء وثيقة تاريخية تعكس أن نهاية الاستعمار لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت عبر مسار تفاوضي وسياسي معقد، شاركت فيه الدولة الإسبانية وممثلون عن القبائل الصحراوية في لحظة أعادت رسم معالم المنطقة.
واليوم، وبعد مرور أكثر من نصف قرن، ما تزال صورة ذلك الاجتماع شاهدة على مرحلة مفصلية، تؤكد أن التحولات الكبرى لا تُقاس بضجيج الخطابات، بل بالقرارات التي تُتخذ في اللحظات الفاصلة، والتي تترك آثارها ممتدة في التاريخ والسياسة إلى يومنا هذا.

