بقلم: أمين المرابطي
تتحدد قيمة الباحث الحقيقي بقدرته على تحويل الأسئلة الملتبسة إلى موضوعات قابلة للتحليل، وعلى الارتقاء بالنقاش العمومي من فضاء الانطباعات العابرة إلى رحابة المقاربات العلمية الرصينة. ومن هذا المنظور، برزت مشاركة الدكتور رشيد مقتدر في الندوة الفكرية التي خصصتها جريدة الشعاع الجديد لمناقشة سؤال: «الإسلاميون المغاربة إلى أين؟»، باعتبارها إحدى المداخلات التي أعادت الاعتبار إلى سلطة المنهج، وإلى مركزية المفهوم، وإلى ضرورة إخضاع الظواهر السياسية لمقتضيات القراءة العلمية، بعيدًا عن الاختزال الإيديولوجي أو الانجراف وراء الإيقاع الإعلامي السريع.
ولا شك أن الحقول السياسية، كلما ازدادت تشعبًا وتراكبًا، ازدادت حاجتها إلى باحثين يمتلكون القدرة على تفكيك البنيات العميقة للظواهر، واستنطاق سياقاتها التاريخية، وربطها بمحدداتها السوسيولوجية، واستحضار امتداداتها الجيوسياسية والحضارية. ومن المؤكد أن الدكتور رشيد مقتدر قدم نموذجًا لهذا النمط من الأكاديميين الذين ينظرون إلى السياسة باعتبارها نسقًا مركبًا، تتداخل داخله البنية مع الفاعل، والمؤسسة مع الثقافة، والتاريخ مع التحول، والمرجعيات الفكرية مع إكراهات الواقع.
منذ الدقائق الأولى لمداخلته، بدا واضحًا أن الرجل لم يختر الطريق السهل القائم على إطلاق الأحكام النهائية أو إعادة إنتاج المقولات المتداولة، وإنما آثر تشييد بناء معرفي متماسك، يستند إلى الاستقراء، والمقارنة، والاستنباط، والتحليل النسقي، موظفًا ترسانة مفاهيمية مستمدة من الأدبيات السياسية المعاصرة، ومستحضرًا أسماء وازنة في الفكر السياسي المقارن، بما يعكس عمقًا إبستمولوجيًا، واتساعًا في الأفق المعرفي، ووعيًا بأهمية التراكم النظري في مقاربة التحولات السياسية.
ولعل ما منح مداخلته خصوصيتها الأكاديمية، أنها لم تنطلق من البحث عن إجابة جاهزة لسؤال الندوة، وإنما انطلقت من مساءلة السؤال نفسه، باعتباره سؤالًا مركبًا تتنازع داخله مستويات متعددة من الفهم والتأويل. فقبل الحديث عن مآلات الحركات الإسلامية، كان لا بد من إعادة تفكيك المفاهيم المؤسسة للنقاش، وتمحيص الأدوات التحليلية المستعملة، ومراجعة النماذج التفسيرية التي راكمتها المدرسة الغربية في دراسة الحركات السياسية ذات المرجعيات الدينية. وهذا المنحى يعكس إدراكًا عميقًا بأن سلامة النتائج رهينة بسلامة المنطلقات، وأن اضطراب المفهوم يقود بالضرورة إلى اضطراب الاستنتاج.
إن الباحث الذي يملك الجرأة على مساءلة المفاهيم، يمتلك في الوقت نفسه القدرة على تحرير النقاش من أسر القوالب الجامدة. ولذلك، لم يتعامل الدكتور رشيد مقتدر مع التجربة المغربية باعتبارها نسخة مكررة من تجارب إقليمية أخرى، وإنما حرص على إبراز خصوصية البنية السياسية المغربية، وتعقيداتها التاريخية والمؤسساتية، وتمايزها عن السياقات التي أنتجت نماذج مختلفة في المشرق أو في غيره. فالمقارنة عنده لم تكن عملية إسقاط ميكانيكي، وإنما كانت ممارسة علمية دقيقة، تقوم على استحضار عناصر التشابه والاختلاف، وتمييز الثابت من المتحول، والبنيوي من الظرفي، والمشترك من الخصوصي.
ومن الثابت أن الفكر السياسي الرصين لا يقف عند حدود الوصف، وإنما يتجاوزها إلى بناء التأويل، وإعادة تركيب العلاقات بين الوقائع، واستكشاف المحددات الخفية التي تحكم حركة الظواهر. ومن هذا الباب، جاءت مداخلة الدكتور رشيد مقتدر مشبعة بروح التحليل، بعيدة عن الانفعال، متحررة من الاصطفافات، ومؤسسة على لغة علمية متزنة، جعلت من الحوار مناسبة لإنتاج المعرفة، لا ساحة لتبادل الاتهامات أو تكريس الانقسامات.
ولعل أكثر ما يستوقف المتتبع في شخصية الدكتور رشيد مقتدر هو ذلك التوازن الدقيق بين الصرامة المنهجية والانفتاح الفكري. فهو لا يقدم النظريات باعتبارها حقائق مطلقة، وإنما باعتبارها أدوات تفسير قابلة للنقد والمراجعة والتطوير، ولا يتعامل مع المرجعيات الفكرية بوصفها مسلمات نهائية، وإنما باعتبارها اجتهادات بشرية تتفاوت في قدرتها على تفسير الواقع وفق اختلاف البيئات والسياقات. وهذا الوعي الإبستمولوجي يمثل إحدى أهم خصائص الباحث الأكاديمي الذي يدرك أن المعرفة لا تزدهر إلا داخل فضاء السؤال، وأن اليقين العلمي لا يولد إلا من رحم الشك المنهجي المنظم.
كما كشفت مداخلته عن امتلاك واضح لناصية المصطلح السياسي، حيث حضرت المفاهيم بحمولاتها العلمية الدقيقة، بعيدًا عن التوظيف الخطابي أو الاستهلاك الإعلامي. ولم يكن استعماله للمفاهيم مجرد استعراض ثقافي أو ترف لغوي، وإنما جاء مندمجًا في البناء الحجاجي، يخدم الفكرة، ويعزز الاستدلال، ويمنح التحليل تماسكًا داخليًا، وهو ما يميز الباحث الذي يجعل من اللغة العلمية أداة للإيضاح، لا وسيلة للإبهار.
وفي زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية تختزل القضايا الكبرى في عناوين عابرة، وتختصر التحولات العميقة في أحكام متسرعة، تبدو الحاجة ملحة إلى أصوات أكاديمية من طراز الدكتور رشيد مقتدر، أصوات تؤمن بأن المعرفة مسؤولية، وأن الجامعة رسالة، وأن الباحث لا يكتفي بوصف الواقع، وإنما يسهم في تفسيره، وتأطير النقاش حوله، وإغناء الوعي الجماعي بأدوات الفهم الرصين. فالأمم التي تستثمر في عقول باحثيها، إنما تستثمر في قدرتها على قراءة المستقبل، لأن صناعة الوعي تسبق دائمًا صناعة القرار، ولأن الفكر، متى تأسس على المنهج، تحول إلى قوة ناعمة تصنع الفارق في مسارات المجتمعات والدول.

