مدينة ابن احمد -إقليم سطات ـبقلم حبيل رشيد
في كلّ موسم دراسي يزداد فيه سباق النجاح حِدّةً، يبرز أستاذٌ استطاع أن يعيد للعلوم هيبتها وللتعلّم متعته. إنّه أنس توردي، أستاذ الرياضيات والفيزياء الذي جعل من القسم فضاءً للحياة لا مجرّد مكان للحسابات والمعادلات. بأسلوبه الواضح، وصبره الطويل، وقدرته على تبسيط أعقد المفاهيم، صار نموذجًا للمربي الذي لا يكتفي بالتلقين، بل يصنع من تلاميذه عشّاقًا للمعرفة.
في مركز Infinity Centre، حيث تتلاقى العزائم والطموحات، استطاع أنس أن يخلق تجربة تعليمية مختلفة. فهو لا يقدّم “دروس دعم” بالمعنى التقليدي، بل يقدّم دروس إحياء، يوقظ بها الذكاء ويزرع في الطالب الثقة بأنّ النجاح ليس حكرًا على الموهوبين، بل ثمرةُ جهدٍ منظم وإيمانٍ بالذات. يعلّم الفيزياء كما لو أنّها قصة مثيرة، والرياضيات كما لو كانت موسيقى ذات نظام وانسجام.
يؤمن أن العلم ليس معادلةً تُحفظ، بل فكرة تُفهم. لذلك يصرّ في كل حصة على أن يرى في عيون تلاميذه لحظة الاكتشاف تلك، حين يبتسم الطالب لأنه أخيرًا فهم، لا لأنه فقط كتب الجواب الصحيح. في طريقته حضورٌ إنساني يندر أن تراه في أساتذة اليوم؛ حضورٌ يجعل التلميذ يثق في نفسه أكثر مما يثق في الكتاب.
ما يميّزه أنّه لا يدرّس ليُرضي النظام التعليمي، بل ليصنع جيلًا قادرًا على التفكير، لا على التكرار. يربط الدروس بواقع الحياة، ويجعل الطالب يرى في الفيزياء انعكاسًا للعالم من حوله، وفي الرياضيات منطقًا للوجود ذاته. يشرح الطاقة من خلال الجهد الإنساني، والسرعة من خلال السعي نحو الهدف، والاحتمالات من خلال الحياة بما فيها من مفاجآت.
العديد من تلامذته يؤكدون أنّهم لم يعودوا يخافون من مادة الرياضيات بعد أن جلسوا في قاعة أنس توردي. صارت الصيغ الرياضية بالنسبة لهم مغامراتٍ فكرية لا ألغازًا مستحيلة. أما في الفيزياء، فقد منحهم المفتاح لفهم الطبيعة لا كمجرّد قوانين جامدة، بل كنظامٍ من المعنى والجمال.
في عالمٍ يتسابق فيه البعض على الترويج للمظاهر، يظلّ أنس نموذج الأستاذ الذي يعمل في صمت ويؤثر بعمق. لا يبحث عن الشهرة بقدر ما يبحث عن أثرٍ يدوم. طموحه أن يرى تلاميذه يتقدّمون في دروب العلم بثقةٍ وثبات، وأن يذكروا يومًا أن رجلًا اسمه أنس توردي آمن بهم حين شكّوا في أنفسهم.
هو من أولئك الذين لا يدرّسون المادة فقط، بل يدرّسون طريقة التفكير. يجعل من كل تمرينٍ حكاية، ومن كل معادلة مغزى، ومن كل نجاح صغير خطوةً نحو اكتشاف الذات. وعندما ينهي تلاميذه الحصة، لا يخرجون وهم مثقلون بالواجبات، بل وهم مشبعون بطاقةٍ خفية تجعلهم يرغبون في التعلم أكثر.
مثل هؤلاء الأساتذة هم الثروة الحقيقية للمجتمع، لأنهم لا يضيفون علاماتٍ على أوراق الامتحان، بل يضيفون ضوءًا في العقول. أنس توردي هو واحد من تلك النماذج النادرة التي تذكّرنا بأن التعليم رسالة، لا وظيفة؛ وأنّ الإخلاص في العطاء يخلق أثرًا أبقى من أي شهادة.
لهذا يستحق هذا الأستاذ أن يُذكر بالعرفان، وأن يُشاد به كأحد الوجوه التي أعادت التوازن إلى العلاقة بين العلم والإنسان، بين الفهم والمتعة، بين الجهد والنتيجة. في زمنٍ تتسارع فيه الخطى نحو التبسيط المخلّ، يبقى أنس توردي مثالًا على أنّ التعليم الحقيقي هو الذي يزرع الشغف قبل المعلومة، والإيمان قبل العلامة.
توفيقه ليس صدفة، بل ثمرة رؤية واضحة، وصبرٍ طويل، ورسالةٍ يسير بها بإخلاص. فكل من يعلّم بعقله وقلبه معًا، يترك أثرًا لا يُمحى، وهذا ما فعله أنس توردي، الأستاذ الذي جعل من العلم فنًا، ومن الدرس حياة.

