الأحداث الوطنية|بدون

لماذا وكيف تخلت دار الضمانة عن أدوارها الاجتماعية والسياسية والدبلوماسية والتحكيمية لصالح الوطن والأمة ؟!

IMG-20231014-WA0068

عبدالإله الوزاني التهامي ــ
بطبيعة الحال لا ندعي القدرة على الإحاطة بهذا السؤال شرحا وتحليلا وسبرا لأغواره الغامض جله والمشوه بعضه، نظرا لما تراكم في حقل اشتغال هذه الزاوية منذ عقود من انتكاسات واختلالات وتراجعات، بدوافع مختلفة، منها ما هو ذاتي داخلي ومنها ما للغير فيه اليد الطولى.
نسلم أولا بأن مؤسستي الزاوية والعائلة، لم تعد نهائيا تقوم بما على عاتقها من أمانة الدعوة إلى الله وتربية المريدين وتحفيظ كتاب الله وإشاعة ثقافة التنوير والعدالة الاجتماعية والكرامة الآدمية، وقد يبدو لدى البعض هذا تقدير خطأ متحججا ب”أنشطة” قزمية لا تكاد ترى بآلة مجهرية، يستحيي المرء نسبها لزاوية عظيمة جدا، كما يستحيي أن ينسبها لنسب عظيم له من الأطر والرجالات ما ليس لغيره.
أين الخلل، في الرأس أم في القواعد، في المنهاج أم في حامله، وماذا لو انتفى المنهاج وانعدم، وافتقد القائد وأظلم ؟!؟!
لا يشك عاقل في أن حاضر العائلة والزاوية الوزانيتين مبني على ماض كان في إبانه حاضرا، ماض شهد لعظمته العرب والإفرنج، ترجمته حضارة إنسانية شاملة لمناحي حياة الإنسان كلها وعلى رأسها السمو الروحي والأخلاقي والاجتماعي.
وزان، أو ما سمي في تاريخ غابر ب”عاصمة مملكة الأرواح”، مدينة الأقطاب، مدينة ليست كباقي المدن، على الأقل في درجة انتشار دعوتها وفي درجة غضب وجه ضدها، من طرف قوة فهمتها خطأ بواسطة الوشايات الكيدية الكاذبة، على امتداد فترات من قرون مديدة من الزمن، إنها المدينة التي أنبتت أقطابا ورجالا، حملوا على عاتقهم مهام جسيمة، لم تقو الدولة المركزية على حملها، تتمثل في قيام زاويتهم بالدفاع عن حوزة الوطن، وبالأعمال الاجتماعية والخيرية لصالح كل المغاربة امتدت لأجزاء من الجزائر وتونس وموريتانيا ومالي والسنكال، فضلا عن قيامهم بالدور الصوفي التربوي المنوط بهم، المتجلي في الأخذ بيد العباد من أجل الاستقرار الدنيوي والخلاص الأخروي، تربية و تعليما و تسليكا. وكان لهذا التأثير المبهر في جمع وتأليف القلوب وراء قيادة واحدة.
ذات المدينة، انهالت عليها ضربات تلو أخرى، من طرف بعض من أغوتهم الوشايات الكاذبة، إلا استثناءات قليلة منهم، من لم يقم بتحجيم ومحاصرة المدينة، بدعوى تمردها وتعاليها وسموها وعدم مبالاتها بالحكم المركزي -على حد طبيعة الوشايات- ، جاء ذالك ردا على توسع نفوذ أقطابها اللآمتناهي و أدوارهم العظيمة، التي جمعت حول المدينة وزاويتها ملايين المغاربة وغيرهم من الأجناس والجهات إلى أن وصل نفوذها إلى الهند وتركيا والشيشان، مما زاد من حدة و شدة الخوف لدى ممن تقلدوا الحكم، قبل أن يدركوا نبل وسمو الوزانيين فكرا ونسبا ومشيخة، مما أبانوا عنه في كل لحظة لصالح الحاكم والأمة، تجلت حقيقة ذلك بقيام الوزانيين بتعزيز ملك العلويين لما رأى الوزانيون في الجالسين على العرش سندا و ساعدا على خدمة هذه الأمة وعلى نشر الدعوة إلى الله، ولعل جواب ذلك الشافي الكافي، المطمئن للسلطان العلوي مولاي إسماعيل على لسان مولاي التهامي حيث قال في حضرته : {} مننا مايكونش وبلا بنا مايكونش.{}، كإشارة قوية لرفع حجب الشك، بأن الوزانيين لا يطمعون في الحكم ولا يودون السطو على عرش، لكن في الوقت ذاته قيد مولاي التهامي كلامه بالقول: و “بلا بنا مايكونش” ، أي وبدون الوزانيين، ــ يقصد بإقصائهم وتهميشهم وعدم اعتبارهم ــ ، لن يستقيم حكم ولن تقوم له قائمة ذات قيمة، نظرا لحنكتهم وحكمتهم في إتقان مهام الدعوة إلى الله وتأليف الأمة وجمعها على رجل واحد، ونقائهم وزهدهم في المهام المنوطة بتدبير شؤون الدولة، بلغة أخرى يقول الوزانيون لغيرهم: “لكم دنياكم ولنا دين”، لكم الرقاب ولنا القلوب، وبنا معا تقوم للأمة العزة والتمكين.
هل يعلم الجيل الحالي، ما علمه الجيل السالف، فيما يخص ما عرفت به الزاوية الوزانية والنسب الوزاني الشريف، على مر قرون طويلة، من استقلالية تامة، في الجانب الاقتصادي والسياسي والدفاعي وغيره، أليس في علم هذا الجيل أن السلاطين العلويين كانوا يستنجدون بشيوخ الزاوية الوزانية كلما حدث ضدهم تمرد أو انقلاب من طرف قبيلة من القبائل أو زعيم من الأعيان، قصد إخماد نار الفتن والتمردات ضدهم، والأمثلة حول هذا معلومة وموثقة، أليس في علم الجيل الحالي بأن ثلاث أرباع المغرب كانت تحت السيطرة التامة لشيخ من شيوخ الزاوية الوزانية دون أن يغريه ذلك في حب للحكم أو حب للزعامة، أليس في علم الجيل الحالي بأن شيخ الزاوية أرسل جيشا مجهزا بعدة وعتاد لمحاصر البرتغاليين في سبتة واستشهد إثر ذلك أحد أبنائه في معارك خاضها جيوش الزاوية ضد جنود المحتل، أليس في علم الجيل الحالي بأن نفوذ الزاوية الوزانية قد وصل إلى مصر وإستمبول بتركيا، ولبنان على امتداد نهر الوزاني و سوريا والسعودية والجزائر والسعودية وغيرها من الأقطار.
أليس في علم الجيل الحالي، بأن في القدس الشريف وتحديدا بباب المغاربة أحباسا خاصة بالزاوية الوزانية، عليها قيمون يمثلون النسب الوزاني في فلسطين، ألا يعلم الجيل الحالي بأن الزاوية الوزانية قد حظيت ب”الحماية” الفرنسية ليس ضد من اعتبوها خصما بل اعترافا بقوتها ونفوذها الروحي والاجتماعي بين المغاربة وغيرهم، فقامت الحماية بإعادة التوازن الضامن لكل طرف العيش في حدوده -الاستراتيجية- المستحقة ، أليس في علم الجيل الحالي بأن شيخا من شيوخ الزاوية الوزانية قد زار معامل الأسلحة في دولة بريطانيا العظمى، مما فسر بتفاسير غريبة، أليس في علم الجيل الحالي بأن زواج نفس الشيخ ب”إيميلي إيكن” البريطانية ــ التي أسلمت على يد الشيخ ــ قد قلب المفاهيم التقليدية الجاهزة عن الشيخ والمشيخة، وأحال ذلك إلى نوع من التطور المذهل في تفكير الزاوية وثقافتها.
ألا يعلم الجيل الحالي بأن للزاوية الوزانية فروعا على امتداد التراب الوطني في المدن والقرى، يشبهها الباحثون اليوم بمقرات فروع الأحزاب السياسية، ألا يعلم الجيل الحالي بأن وزارة الأوقاف المغربية تستحوذ -دون وجه حق- على آلاف الهكتارات من الأراضي التابعة للزاوية الوزانية المدرة للملايير سنويا، بغرض إضعاف الزاوية الوزانية، ألا يعلم الجيل الحالي بأن الوزانيين ومنذ نشأتهم قد حملوا على عاتقهم الجانب الدعوي والتربوي والتعليمي لصالح الأمة، وآثروا غيرهم عليهم في تقلد المناصب، وفي الجملة إن الوزانيين امتلكوا القلوب، لأن ذلك مهمتهم الدعوية والروحية والاجتماعية.
لكن الذي لا يفهم لدى كثير من المهتمين بتاريخ مدينة وزان المغضوب عليها، لمذا يؤدي سكان المدينة الضريبة لحد الساعة، من تهميش وإقصاء وفوضى وتخلف على كل الأصعدة والمجالات، علما أن المدينة ذات موقع استراتيجي، وتحتوي على مؤهلات فلاحية وموارد وخصوصيات متنوعة، مادية ورمزية، من شأنها أن تجعل منها مدينة نامية وحركية ومنتعشة اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا على مدار العام.
أسئلة حارقة تطرح، تهم الجدوى من استمرار الحصار المضروب على وزان، الذي يحيلها إلى مدينة ”مخوفة مرعبة”، لا تنجب ولا تصدر سوى المئات من الشباب نحو المدن الأخرى بحثا عن لقمة العيش، لمذا كل هذا العذاب وكل هذا الحصار وكل هذا الغضب على مدينة جميلة مسالمة، وزان مدينة كباقي المدن، و إن تميزت عن غيرها بتاريخها الغني الطافح المليئ بنفحات العظمة والأبهة والقداسة.
وفي السياق ذاته إن لوزان شموخا ساميا عصي على التطويع، وأكبر غضب سلط على المدينة بعد وقبل سياسة التهميش والإقصاء، الغضب المتمثل في تزوير تاريخها وطمس معالمها وتشويه رموزها، من طرف من لا ينظر لمستقبل الوطن ببصيرة الخير، سواء في البرامج التعليمية أو في وسائل الإعلام المختلفة، أو فعليا على أرض وزان، ومن عدالة السماء أن كل ما يسلط على وزان وآل وزان من تهميش وإقصاء واستنزاف يعود بالسوء والضرر ليس فقط على الوزانيين كأشراف أو كساكنة بل على عموم الوطن، باعتبار وزان أبرز وجه من وجوه المغرب، وما أحوج الدولة اليوم لعطاءات الزاوية الوزانية ولحضور الأشراف الوزانيين، لاعتبارات سياسية واقتصادية واجتماعية، رافقت مسار المؤسستين منذ سقوط الدولة السعدية وقيام الدولة العلوية الشريفة، بما ضحى به أشراف هذه الزاوية لصالح الدولة العميقة وحكم الأشراف والمجتمع على كل الأصعدة، وبالمختصر المفيد إن الدولة في حاجة لمن يكتسب القوة المادية والرمزية، وكلاهما -لدى العائلة والزاوية- مع الأسف، قد تم تدميرهما بشكل ممنهج.
وزان وما أدراك ما وزان، وزان العاصمة الروحية لمغرب ممتد في التاريخ والجغرافيا، لابد أن تستعيد مجدها وتألقها.
وزان ، لأبنائك الأبرار معك موعد آخر، انطلق منذ مدة بحلة بهية، مع جيل تواق للتغيير، يهتف في كل فج عميق من المغرب الكبير بتاريخك وتراثك وحضارتك، كله أمل في استعادة أمجادك.
استعادة الأمجاد ممكن إن بذلنا المجهود، وإن تخلينا عن أنانيتنا المفرطة وكفرنا بذاتيتنا المريضة، لنستلهم من الأجداد الآليات والوسائل المنهاجية التي على أسسها شيدوا حضارتهم التي لن تمحوها عوامل طبيعية أو بشرية إلى الأبد، لنعاود الانتشار رحمة للعالمين.
فهل يمكن عقلا ومنطقا التعويل على من يدبر حاليا شؤون الزاوية والعائلة، في إخراج المؤسستين وإخراج مدينة دار الضمانة من ظلمات التخلف والتراجع والضعف والهوان، إلى نور القوة والتعاون والتآزر، لصالح الجميع أمة ووطنا ومدينة وزاوية وعائلة، أم ستظل المقاليد العوجاء في أيدي (طغمة) من العبثيين، الذين يلهثون صباح مساء وراء مصالح شخصية صرفة. وهل ستبقى النخبة والأطر وكل غيور مكتوفي الأيدي يتفرجون في مسلسل الانحدار الخطير لزاويتهم وعائلتهم ؟؟!!