



توفيق مباشر Toufik Moubachir
في يوم السبت الخامس من يوليوز لعام 2025، شهدت مدينة فاس لقاءً تواصليًا حاشدًا، حيث دعا الأمين العام لحزب جبهة القوى الديمقراطية، المصطفى بنعلي، إلى تعزيز التمكين السياسي لمغاربة العالم. يأتي هذا الاجتماع في إطار حرص الحزب على تعزيز مشاركة المواطنين المغاربة المقيمين خارج الوطن في العملية السياسية، واعتبر المصطفى بنعلي أن غيابهم عن المؤسسات المنتخبة، وخاصة البرلمان، ليس له ما يبرره.
تلقى خطاب المصطفى بنعلي صدىً واسعًا، حيث أكد فيه أهمية أن يتمتع مغاربة العالم بحقوقهم السياسية ويكون لهم صوت في اتخاذ القرارات التي تمسهم. وقد أشار إلى التوجيهات الملكية في هذا الخصوص، والتي أكدت على ضرورة إدماجهم في العملية السياسية. إن غياب تمثيلية فعلية لمغاربة العالم في البرلمان يعكس إشكالية نظامية تحتاج إلى معالجة عاجلة، تضمن لهم المشاركة الفعالة في صنع القرار.
من جهة أخرى، حذر المصطفى بنعلي من انحدار الخطاب السياسي الذي قد ينعكس سلبًا على الثقة بين المواطنين والسياسيين. دق ناقوس الخطر مشيرًا إلى أن الخطابات المُحَملة بالتوتر والعدائية لا تخدم مصلحة الوطن، بل تهدد السلم الاجتماعي وتفقد المواطنين الأمل في التغيير. ومن هنا، فقد دعا إلى الحاجة الملحة لتبني خطابات سياسية مسؤولة وبناءة، تعمل على تعزيز الوحدة الوطنية وتنمية حس المواطنة.
يمثل هذا اللقاء فرصة حقيقية لتحفيز النقاشات حول القضايا التي تهم مغاربة العالم وكيفية إدماجهم في السياسات العامة. إن التمكين السياسي ليس مجرد فكرة، بل ضرورة ملحة لتحقيق مجتمع مستدام يضمن الحقوق المتساوية لجميع أبنائه، سواء داخل الوطن أو خارجه. وعليه، يجب على الأحزاب السياسية أن تعمل بجدية على مراجعة استراتيجياتها وفتح أبواب الحوار والنقاش مع المغاربة، لتشجيعهم على المشاركة الفعالة في الحياة السياسية.
يتضح أن الخطاب الذي ألقاه المصطفى بنعلي يعكس رغبة حقيقية في السير نحو تحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية في المغرب. إن التمكين السياسي لمغاربة العالم يعد خطوة أساسية نحو بناء مجتمع ديمقراطي قوي، يتعزز فيه الحس الوطني وتتضافر فيه الجهود من أجل مستقبل أفضل يتناسب مع تطلعات جميع المواطنين. يجب أن تصبح هذه الدعوة واقعًا ملموسًا من خلال خطط واضحة وفعالة، تضمن تمثيلية حقيقية وفعالة لمغاربة العالم.
في إطار الاحتفال بالذكرى السابعة والعشرين لتأسيس الحزب، ألقى الأمين العام كلمة سياسية وازنة تسلط الضوء على أهمية مغاربة العالم وضرورة إدماجهم في الحياة السياسية والتنموية للبلاد. يتلخص الشعار الذي حُدّد لهذه المناسبة في عبارة “جبهة بروح المسيرة ونبض الدولة الاجتماعية”، مما يشير إلى التزام الحزب بالاستمرار في مسيرة التنمية والعدالة الاجتماعية.
أكد الأمين العام أن مغاربة العالم ليسوا مجرد جالية مؤقتة تعيش في الخارج، بل هم جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني. هذا التصريح يعكس رؤية إستراتيجية شاملة تعترف بالدور الحيوي الذي يلعبه المغتربون في تعزيز الاقتصاد الوطني. ووفقًا للتصريحات، فقد سجلت تحويلاتهم المالية في العام 2023 رقماً قياسياً تجاوز 115 مليار درهم، مما يشير بوضوح إلى عمق ارتباطهم بوطنهم ورغبتهم المستمرة في المساهمة في تطويره.
إن استعراض الأرقام الضخمة التي تمثّل التحويلات المالية لمغاربة العالم يظهر كيف أن هؤلاء الأفراد ليسوا فقط سفراء للثقافة المغربية في الخارج، بل أيضًا محركون رئيسيون لاقتصاد البلاد. المساهمة المالية لهؤلاء المغتربين تعكس التزامهم بالمشاركة في التنمية، مما يعزز من موقفهم كمكون وازن في المجتمع المغربي.
علاوة على ذلك، يشير الأمين العام إلى البنود الدستورية التي تناولت حقوق مغاربة العالم، حيث خصص الدستور ثلاثة فصول لهذه الفئة. يعكس هذا الأمر التقدير العميق الذي تحظى به جاليتنا في النسق القانوني والحقوقي للمغرب. بيد أن الدعوة الدائمة لتمكينهم السياسي، التي أطلقها جلالة الملك، تجعلنا نتساءل عن المنظومة المتاحة لمغاربة العالم في التمثيل والمشاركة السياسية.
السؤال الذي يطرحه الأمين العام حول مدى اعتبارهم في وضعهم الراهن ومبدأ المشاركة في التمثيل يسلط الضوء على أهمية ترجمة هذه الحقوق إلى واقع ملموس. هل يُعقل أن يُقصى هؤلاء عن حقهم المشروع في التأثير على القرارات السياسية والاقتصادية التي تخص وطنهم؟ هذا التساؤل يثير الحاجة إلى إصلاحات جذرية تضمن لمغاربة العالم دوراً فعالاً في الحياة الوطنية.
يدرك الحزب أن المغتربين هم جسر يربط بين المغرب والدول الأخرى، ولذا فإن استثمار هذه الجالية ورعايتها يعد ضرورة ملحة تسهم في تعزيز الهوية المغربية وزيادة وزنه على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. إن الالتزام بالإدماج الفعلي لمغاربة العالم في العملية السياسية يجب أن يكون أولوية لتحقيق تطلعات البلاد المستقبلية.
التمكين الاقتصادي للجاليات المغربية في الخارج هو موضوع يثير الكثير من الجدل والاهتمام في الوقت الحالي. وقد أكد الأمين العام المصطفى بنعلي أن هذا التمكين ليس مجرد حق دستوري ثابت، بل هو واجب وطني حيوي يجب على الحكومة تحمل مسؤوليتها الكاملة في تحقيقه.
وفي هذا السياق، دعا الأمين العام الأحزاب السياسية إلى تجاوز النظرة السطحية التي تعتبر المغاربة في العالم فقط خزانًا مالياً، بل يجب عليهم الاعتراف بأدوارهم العلمية والاقتصادية والرمزية داخل المجتمع المغربي. فالجاليات المغربية في الخارج تمتلك خبرات ومهارات قيمة يمكن أن تسهم في تطوير الاقتصاد الوطني.
وتحدث المصطفى بنعلي عن الانتماء الوطني العميق الذي يجسده أفراد الجالية، مشيراً إلى أنهم مأصلين ويحبون بلدهم الأم، ومستعدين للمساهمة في بسيطرة إذا ما فتحت الأبواب أمامهم. وهو ما يظهر بوضوح في شخصية اللاعب الدولي أشرف حكيمي الذي يعتبره المصطفى بنعلي “الرمز الملهم لشباب المهجر”.
إن التمكين الاقتصادي للجاليات المغربية في الخارج يعتبر جزءاً أساسياً من تنمية المجتمعات المغربية وتعزيز اقتصاد البلاد. ولذلك، يجب على الحكومة والمجتمع المغربي بأسره استغلال الفرص المتاحة وتوفير البيئة المناسبة لتحقيق هذا التمكين وتحقيق الازدهار الاقتصادي للوطن.
تعتبر الاستحقاقات الانتخابية المقبلة حدثًا مهمًا في تاريخ أي دولة، حيث تشكل فرصة للمواطنين للتعبير عن آرائهم واختيار ممثليهم. وفي هذا السياق، ربط المصطفى بنعلي نجاح هذه الاستحقاقات بضرورة توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في العملية الانتخابية. يعد تعزيز المشاركة الشعبية أمرًا ضروريًا لضمان تمثيل حقيقي وشامل لجميع فئات المجتمع، إذ من المهم أن تظل أصوات مختلف الشرائح مسموعة ومؤثرة في اتخاذ القرارات.
دعا المصطفى بنعلي إلى ضرورة تعبئة وطنية شاملة تتماشى مع الدينامية التي تكتسبها البلاد بفضل تنظيم كأس العالم 2030. يمثل هذا التحدي الرياضي الكبير فرصة لتعزيز الهوية الوطنية وتعزيز التآزر بين المواطنين. يجسد كأس العالم مشروعًا طموحًا يمكن أن يسهم في تغيير الصورة الاجتماعية والاقتصادية للبلاد، ولذلك فإن استثمار هذه الدينامية في تعزيز المشاركة الشعبية هو خطوة استراتيجية.
غير أن المصطفى بنعلي قد شدد أيضًا على أهمية عدم تجاهل المعاناة اليومية التي يعيشها المواطنون. ففي ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، يتوجب على الحكومات المنتخبة أن تكون واعية للتحديات التي تواجه المجتمع. فالزيادة المستمرة في الأسعار وارتفاع نسب البطالة وتنامي الإحساس بعدم المساواة تعد من القضايا الجوهرية التي تحتاج إلى مواجهة حقيقية. لذا، تتطلب العملية الانتخابية المقبلة من القائمين عليها أن ينبذوا الخطاب الرائج، وأن يتبنوا نهجًا يركز على حل المشكلات الأساسية للمواطنين.
إن المشاركة الشعبية يجب أن تتجاوز حدود الانتخاب، لتشمل مساهمة المواطنين في تطوير السياسات العامة التي تعالج مشكلات الحياة اليومية. ينبغي على الأحزاب السياسية أن تسعى لجذب المواطنين من خلال برامج واضحة وواقعية تلبي احتياجاتهم. وفي هذه السياق، يعد العمل على تحسين ظروف الحياة وتوفير فرص العمل جزءًا لا يتجزأ من إجراء انتخابات ناجحة تعكس الإرادة الشعبية.
يمكن القول إن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة تمثل فرصة ذهبية لتعزيز الديمقراطية من خلال توسيع قاعدة المشاركة الشعبية. من خلال تعبئة وطنية شاملة تتناغم مع المشاريع الكبرى، ويجب أن تكون تلك التعبئة مرآة تعكس التحديات والمعاناة التي يجابهها المواطنون. هذا التوجه سيضمن أن تكون الانتخابات ليست مجرد مناسبة لاختيار ممثلين وحسب، بل فرصة لتجديد الثقة وبناء مستقبل مشرق.
وفي نقد حاد للواقع السياسي، أعرب الأمين العام عن قلقه من تدني الخطاب السياسي والنقاش العمومي، محذرًا من أن هذا الانحدار “لا يسيء فقط لصورة الفاعلين السياسيين، بل يقوّض أسس السياسة النبيلة، ويفرغ الممارسة الديمقراطية من مضمونها”. كما حمّل المسؤولية لبعض الأحزاب التي انجرت وراء هذا التردي، داعيًا إلى وقفة تأمل مسؤولة لإعادة الاعتبار للفعل السياسي الجاد.
هذا اللقاء التواصلي بفاس، الذي شهد حضورًا كثيفًا لمناضلات ومناضلي الحزب، وأعضاء من المكتب السياسي والمجلس الوطني، والنائب البرلماني رؤوف العبلاوي معن، وعدد كبير من المواطنين، تخللته لحظات رمزية، أبرزها تكريم الأخ محمد الزاهر، الأمين الإقليمي للحزب بمدينة فاس وعضو المكتب السياسي، تقديرًا لعطائه التنظيمي المتواصل. كما تميز اللقاء بوصلة فنية احتفالية تفاعلت معها القاعة بحماس كبير.
ويُعد هذا اللقاء المحطة الثالثة ضمن الجولة الوطنية التي يقودها الأمين العام بمناسبة ذكرى تأسيس الحزب، والتي تهدف إلى إعادة تجديد الأدوار السياسية والتنظيمية للحزب، وتعزيز موقعه كقوة سياسية مسؤولة حاضنة لحساسية مجتمعية تواقة للعدالة الاجتماعية والكرامة والتمكين الديمقراطي.
وفي ختام كلمته، شدد بنعلي على أن المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، يحقق تقدمًا استراتيجيًا مهمًا، مشيرًا إلى أن اللحظة تفرض الانكباب الجاد على القضايا الحقيقية للمواطنين، بدل التراشق السياسي العقيم، الذي يضر بصورة الأحزاب، ويُفرغ النقاش من محتواه.

