
.
الاحداث الوطنية : المصطفى المصدوقي .
تعتبر التبوريدة، أو فن الفروسية التقليدية المغربي، جزءا لا يتجزأ من التراث الثقافي الغني للمملكة ، إنها أكثر من مجرد عرض للفرسان؛ بل هي احتفال يجسد الشجاعة، الأصالة، والارتباط العميق بين الإنسان والفرس ؛ ومع ذلك، تعاني هذه الممارسة التقليدية من ظاهرة سلبية تتمثل في إقصاء المرأة من المشاركة الفعالة، وهو أمر يثير التساؤل حول مدى تجذر بعض العادات الاجتماعية التي تقلل من شأن المرأة وقدراتها. نسعى من خلال هذا المقال إلى تحليل أسباب هذه الظاهرة، وتسليط الضوء على آثارها السلبية، وتقديم توصيات عملية لـ الشركة الملكية لتشجيع الفرس (SOREC) للعمل على إدماج المرأة بشكل كامل في هذا الفن الأصيل.
إقصاء المرأة: بين العرف الاجتماعي والتحديات الواقعية
تعد مشاركة المرأة في عروض التبوريدة “عيبا” في بعض القبائل والمناطق المغربية،منها جماعة الغوالم دائرة الرماني ، وهو اعتقاد مبني على تفسيرات اجتماعية وثقافية قديمة. ينظر إلى الفروسية على أنها مجال يقتصر على الرجال، ويربط بينها وبين القوة البدنية والسيطرة، وهي صفات تسند تقليديا إلى الذكور ؛ هذا الإقصاء لا يقتصر فقط على الجانب الرمزي، بل يمتد إلى الجانب العملي، حيث تواجه الفارسات صعوبات جمة في الانضمام إلى “السربات” والحصول على التدريب والدعم اللازمين، وتلقي الاعتراف بمواهبهن.
إن ما يحدث في بعض المهرجانات والمواسم لا يمكن وصفه إلا بأنه إقصاء ممنهج، وهو ما يجب محاربته. هذه الممارسات التقليدية تُشكل عائقًا كبيرًا أمام تحقيق المساواة بين الجنسين في مجال رياضي وتراثي له مكانة هامة في المجتمع. و تُقلل من شأن المرأة ليس فقط كفارسة محتملة، بل كشريك فاعل في الحفاظ على التراث ونقله للأجيال القادمة ؛ يجب علينا محاربة تقزيم دور المرأة في مهرجانات التبوريدة، لأنها أم وأخت وزوجة الفارس، وشريكة أساسية في بناء المجتمع والحفاظ على تراثه.
دور الشركة الملكية لتشجيع الفرس (SOREC) في معالجة الظاهرة :
تأسست الشركة الملكية لتشجيع الفرس (SOREC) في عام 2003، وهي مؤسسة عمومية تابعة لوزارة الفلاحة والصيد البحري. من بين أهدافها الرئيسية “تثمين الفروسية المغربية وتطويرها”. وبالنظر إلى هذا الدور المحوري، تُصبح SOREC الشريك الأساسي والجهة المسؤولة عن معالجة ظاهرة إقصاء المرأة من التبوريدة.
ان إدراج الفارسات ضمن الفرق المشاركة في مهرجانات التبوريدة ليس فقط خطوة نحو تحقيق المساواة، بل هو أيضا إضافة نوعية للتبوريدة نفسها. فمشاركة المرأة ستضفي على العروض بعدًا جديدًا من الجمالية والتنوع، وتثري المشهد الثقافي والرياضي. من هذا المنطلق، أصبح من الضروري على الشركة الملكية لتشجيع الفرس أن تتبنى استراتيجية واضحة لإدماج المرأة في الفروسية، من خلال:
وضع آليات إشراك فعالة: يجب على SOREC أن تفرض شروطًا على الفرق المشاركة في مسابقاتها ومهرجاناتها تُلزمهم بضم فارسة واحدة على الأقل. هذا الإجراء سيشجع الفرق على البحث عن الفارسات الموهوبات، وتدريبهن، ودمجهن بشكل كامل في العروض ؛ ولضمان جدية المشاركة النسائية، يجب عدم احتساب الطلقة الخاصة بالمشاركة في التصفيات، بل احتساب النقاط فقط في النهائي. من ثم، نعطي للمشاركة النسائية الأهمية التي تستحقها
توفير الدعم المادي واللوجستي: يمكن لـلشركة أن تطلق برامج لدعم الفارسات ماديًا ولوجستيًا، مثل توفير الفرسان المؤهلين للتدريب، وتنظيم ورشات عمل خاصة بهن، وتخصيص جوائز تحفيزية للمشاركات.
الترويج الإعلامي: يجب على الشركة أن تسلط الضوء على قصص نجاح الفارسات المغربيات، وذلك من خلال إنتاج برامج وثائقية، ومقالات إخبارية، وحملات إعلامية تبرز دور المرأة في الفروسية، وتُغيّر من الصورة النمطية السائدة.
وتعتبر مشاركة الفارسة كنزة التومي في مهرجان الغوالم العاشر حدثا لافتا يستحق التنويه الخاص ؛ فبشجاعتها ومهارتها العالية، لم تكن مجرد مشاركة عابرة، بل كانت رمزا حيا على إمكانية المرأة في اقتحام مجالات تقليدية، والنجاح فيها. لقد شكلت مشاركتها في هذا المحفل الكبير تحديا مباشرا للنظرة الدونية التي تقلل من قدرة الفتاة على المشاركة في ألعاب الفروسية، وبعثت رسالة قوية تؤكد أن العزيمة والموهبة لا تعرفان جنسا ، إنها خطوة رائدة تفتح الباب على مصراعيه أمام أجيال من الفارسات الطموحات، وتؤكد أن التراث المغربي قادر على أن يكون شاملًا ومستوعبا لجميع طاقات المجتمع.
إن إقصاء المرأة من التبوريدة ظاهرة سلبية تتعارض مع مبادئ المساواة والتراث الحي الذي يجب أن يتطور ويتكيف مع تغيرات المجتمع. إن الفرس الذي “يمنح الجمالية لأعيادنا الدينية والوطنية” و”تجسد على ظهره أسمى المراتب” يجب أن يكون متاحا للجميع، بغض النظر عن الجنس ؛ على الشركة الملكية لتشجيع الفرس أن تسارع في اتخاذ خطوات عملية لإدماج المرأة في هذا المجال، ليس فقط لضمان حقها في المشاركة، بل أيضا لإثراء التراث المغربي نفسه، وجعله أكثر شمولية وعصرية ، إنها فرصة تاريخية للجمع بين الأصالة والحداثة، وتأكيد أن الفروسية المغربية هي حق للجميع، ورمز للوحدة والشجاعة للرجال والنساء على حد سواء.

