الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

دهاليز تطوان الخفية: حكاية “المطامير” المنسية في باطن المدينة العتيقة

IMG-20261014-WA0066

​بقلم: عبد المالك بوغابة*
​تحت أزقة تطوان العتيقة وأقدام عابريها، عالم آخر خفي يغفو في صمت مطبق. إنه ليس مجرد سراديب عادية، بل هو تاريخ حي مدفون تحت الأرض، يروي فصولا دامية ودرامية من صراعات شمال المغرب. هناك، حيث يمتزج الغموض بالتاريخ، تبرز “المطامير” (أو ما يُعرف إسبانيا بـ Las Mazmorras) كواحدة من أكثر المعالم إثارة للفضول والنسيان في آن واحد.
​ما هي “المطامير”؟ جذور التسمية وامتداداتها
​الاسم وحده يحمل نذير غموض؛ فـ “المطامير” -مفردها مطمر- تحيل مباشرة على الدفن والطمر تحت الثرى. هندسياً، نحن أمام شبكة معقدة ومرعبة من الكهوف والأنفاق والدهاليز المحفورة بإتقان في عمق الأرض وتحت أساسات المدينة، وتحديداً في قلب أحياء مثل “حومة البلد”.
​لكن المفاجأة لا تتوقف هنا؛ فالأدلة والأنفاق المكتشفة تؤكد أن هذه المتاهة التحت-أرضية لم تكن مجرد غرف معزولة، بل كانت عبارة عن شبكة استراتيجية واسعة ربما امتدت حتى الكهوف الواقعة تحت حافة “الركينة” خارج “باب التوت”، في تجسيد صارخ لهندسة دفاعية سرية ومتطورة للغاية.
​دهاليز الحرب وحكايات الأسرى والسخرة
​في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، كانت هذه المطامير شرياناً خفياً في المنظومة العسكرية لتطوان؛ ففي أتون معارك الجهاد البحري وصراع النفوذ المحتدم في المتوسط، تحولت تلك الدهاليز الموحشة إلى سجون ومعتقلات رهيبة للأسرى.
​تُخبرنا الذاكرة التاريخية تفاصيل قاسية؛ فقد كان الأسرى يُزج بهم في عتمة هذه المطامير طوال الليل، بينما تُستغل سواعدهم نهاراً في أشغال السخرية القاسية لبناء أسوار المدينة الحصينة، والأبراج، والتحصينات التي شكلت درع تطوان الواقي عبر التاريخ.
​من الأساطير الشعبية إلى البحث العلمي
​طالما غذت هذه العتمة مخيلة الساكنة، فحولتها الأجيال المتعاقبة إلى أساطير وحكايات مرعبة عن “دهاليز لا يخرج منها أحد”. غير أن الجدية العلمية بدأت تلامس هذه الأسرار مع أوائل فترة الحماية الإسبانية (حوالي عام 1922 م / 1341 هـ)، حين سعى الباحثون والمستكشفون إلى فك طلاسم الخريطة الخفية للمدينة وتحديد أبعادها الجغرافية الحقيقية.
​اليوم، تظل مطامير تطوان جرحا في ذاكرة المدينة المنسية، وكنفا يختزن بقايا حكايات الأندلسيين وملامح الصراع والبناء، صامتة… بانتظار التفاتة مؤسساتية جادة تنفض عنها غبار الإهمال وتعيد الاعتبار لذاكرة تحتضنها الأرض.
​* كاتب وصحفي