الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

«220 صوتاً مقابل 59».. الأغلبية تحسم رئاسة مجلس النواب، والمعارضة تجني ما زرعته داخل بيتها!

IMG-20261014-WA0005

 

 

انتخاب أحمد التويزي يكشف تماسك التحالف الحكومي في أول اختبار مؤسساتي، ويضع المعارضة أمام أسئلة محرجة عن قدرتها على التنسيق وتوحيد الصفوف.. فهل ينطبق عليها المثل المغربي: «من الخيمة خرج عوج»؟

 

سعيد الطهاري :الأحداث الوطنية

 

لم يكن انتخاب أحمد التويزي، عن حزب الأصالة والمعاصرة، رئيساً لمجلس النواب المغربي، يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، مجرد عملية انتخابية لتولي رئاسة المؤسسة التشريعية، بل شكل محطة سياسية كاشفة لموازين القوى داخل البرلمان، وأبرز تفاوتاً واضحاً بين قدرة الأغلبية على حشد الأصوات، وما يواجه المعارضة من أسئلة حول التنسيق والانسجام وتدبير الاختلاف.

 

فبنتيجة بلغت 220 صوتاً لأحمد التويزي مقابل 59 صوتاً لإدريس الأزمي الإدريسي، فضلاً عن 90 ورقة ملغاة، حُسمت الرئاسة بفارق كبير، في مشهد يمنح الأغلبية الجديدة مؤشراً أولياً على قدرتها على التحرك المشترك، ويضع المعارضة أمام مرآة اختياراتها وطريقة تدبيرها لأول استحقاق مؤسساتي بارز في الولاية التشريعية الجديدة.

 

الأغلبية.. اختلاف المرجعيات لا يمنع وحدة القرار

 

الرسالة الأبرز في هذه النتيجة أن الأغلبية لم تكتفِ بالتوافق السياسي المعلن بين مكوناتها، بل تمكنت من توفير دعم برلماني واسع لمرشحها. وهو ما يعكس، في هذه المحطة على الأقل، قدرة أحزاب التحالف على تجاوز اختلاف مرجعياتها وحساباتها الحزبية، والالتقاء حول خيار مؤسساتي مشترك.

 

فالأغلبية التي تجمع أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية تقدم، من خلال هذه المحطة، مؤشراً على أن التعدد داخل التحالف لا يعني بالضرورة التشتت، وأن تدبير الاختلاف يمكن أن يتحول إلى عنصر قوة عندما تتوفر الإرادة السياسية والتنسيق المسبق.

 

إنها معادلة سياسية واضحة: قد تختلف الأحزاب في خلفياتها وبرامجها وتقديراتها، لكنها تستطيع توحيد موقفها عندما يتعلق الأمر باستحقاق تتقاطع فيه مصالحها السياسية والمؤسساتية.

 

ومع ذلك، فإن تماسك الأغلبية سيظل رهيناً بقدرتها على المحافظة على هذا التنسيق في الملفات التشريعية والاقتصادية والاجتماعية، وليس فقط في محطة انتخاب رئيس مجلس النواب.

 

المعارضة.. حين تصبح الخيمة عنواناً للاختلاف الداخلي

 

في المقابل، تفتح النتيجة باباً واسعاً للتساؤل عن واقع المعارضة، ومدى قدرتها على الانتقال من تعدد المواقف والمرجعيات إلى بناء حد أدنى من التنسيق في الاستحقاقات الكبرى.

 

وهنا يستحضر المشهد المثل المغربي الدارج: «من الخيمة خرج عوج»، وهو مثل يقال عندما يأتي الخلل من داخل البيت نفسه، أو عندما تصبح أسباب التعثر نابعة من البيئة التي يُفترض أن توفر شروط التماسك والنجاح.

 

واستحضار هذا المثل في سياق المعارضة لا يعني أن اختلافها في حد ذاته عيب سياسي، فالتعدد والاختلاف من صميم العمل الديمقراطي، بل إن الإشكال يبدأ عندما يعجز الفاعلون عن تحويل هذا التعدد إلى تنسيق عملي، أو عندما تتقدم الحسابات الحزبية الضيقة على متطلبات الفعل السياسي المشترك.

 

فإذا كانت المعارضة تطالب الأغلبية بالانسجام في تدبير الشأن العام، فإن نتائج هذا الاستحقاق تضعها بدورها أمام سؤال الانسجام الداخلي: هل تملك تصوراً مشتركاً للتعامل مع المحطات المؤسساتية، أم أن كل مكون يتحرك وفق حساباته الخاصة؟

 

وتزداد أهمية هذا السؤال في ضوء المعطيات التي رافقت التصويت، إذ أفادت تقارير صحافية بأن نواب التجمع الوطني للأحرار ومجموعة تحالف اليسار اختاروا الامتناع عن التصويت، بينما شهدت الجلسة نقاشاً حول دلالة الأوراق البيضاء وموقف تحالف اليسار منها.

 

وهذا المعطى يجعل المشهد أكثر تعقيداً من مجرد منافسة بين مرشحين؛ فهو يكشف عن اختلاف في أساليب التعبير عن المواقف السياسية، وعن تباين في الخيارات التي اعتمدتها مكونات المعارضة خلال هذا الاستحقاق.

 

وبالتالي، فإن الحديث عن تشتت المعارضة لا ينبغي أن يُبنى على فارق الأصوات وحده، بل على مجموع المؤشرات المرتبطة بتعدد المواقف، والامتناع عن التصويت، وطبيعة التنسيق بين مكوناتها.

 

90 ورقة ملغاة.. رقم يطرح أكثر من سؤال

 

إذا كانت الأصوات الـ220 التي حصل عليها التويزي قد حسمت النتيجة، فإن الأوراق الملغاة البالغ عددها 90 تستحق بدورها قراءة سياسية متأنية.

 

فهذا الرقم، الذي يفوق الأصوات التي حصل عليها الأزمي الإدريسي، يثير تساؤلات حول طبيعة الاختيارات التي عبّر عنها جزء من أعضاء المجلس، وما إذا كانت الأوراق الملغاة تعكس احتجاجاً سياسياً أو موقفاً من المرشحين أو أسباباً أخرى مرتبطة بعملية التصويت.

 

لكن الاقتراع السري لا يسمح بالجزم بدوافع أصحاب هذه الأوراق أو بانتماءاتهم السياسية، كما لا يصح اعتبارها جميعاً أصواتاً ضائعة كان يمكن أن تذهب إلى مرشح المعارضة لو جرى التنسيق بشكل مختلف.

 

ومع ذلك، فإن وجود هذا العدد من الأوراق الملغاة، إلى جانب الامتناع المعلن لبعض المكونات عن التصويت، يمنح النقاش حول أساليب التنسيق داخل البرلمان أهمية إضافية، ويطرح سؤالاً مشروعاً حول كيفية تحويل المواقف المتباينة إلى خيارات سياسية أكثر وضوحاً وفاعلية.

 

هل تدفع المعارضة ثمن خلافاتها؟

 

لا يكفي القول إن المعارضة خسرت معركة رئاسة مجلس النواب لتأكيد أنها فقدت قدرتها على التأثير، كما لا يعني حصول مرشح الأغلبية على 220 صوتاً أن جميع مكونات التحالف الحكومي متفقة بالضرورة على كل القضايا.

 

لكن ما تكشفه هذه المحطة هو أن الأغلبية استطاعت حشد دعم واسع لمرشحها، في حين لم تتمكن المعارضة، في هذه العملية، من تقديم نتيجة تصويتية تنافس ذلك الدعم.

 

وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام المعارضة: ليس في ضرورة الاتفاق على كل شيء، وإنما في القدرة على تحديد الملفات التي تستدعي التنسيق، وصياغة مواقف مشتركة بشأنها، وتقديم بدائل سياسية وتشريعية مقنعة.

 

فالمعارضة الفاعلة لا تُقاس فقط بحدة خطابها أو بقوة انتقاداتها للأغلبية، بل كذلك بقدرتها على تنظيم صفوفها، وتوضيح اختياراتها، وممارسة أدوارها الرقابية والتشريعية بأدوات مؤسساتية فعالة.

 

وإذا كان المثل المغربي «من الخيمة خرج عوج» يلخص، في دلالته الشعبية، احتمال أن يكون الخلل من الداخل، فإن الدرس السياسي الذي ينبغي أن تستخلصه المعارضة هو أن معالجة الاختلالات التنظيمية والتنسيقية تبدأ من داخل مكوناتها، لا من الاكتفاء بتوجيه الانتقادات إلى الخصوم.

 

الخلاصة.. الأغلبية ربحت الرئاسة، والمعارضة أمام امتحان التنسيق

 

إن انتخاب أحمد التويزي بـ220 صوتاً مقابل 59 لإدريس الأزمي الإدريسي يشكل مؤشراً واضحاً على اتساع الدعم الذي حظي به مرشح الأغلبية في هذه المحطة. كما يفتح النقاش حول قدرة المعارضة على تنسيق مواقفها وتدبير اختلافاتها داخل المؤسسة التشريعية.

 

وبين أغلبية نجحت في توفير دعم واسع لمرشحها، ومعارضة تباينت خيارات بعض مكوناتها بين التصويت والامتناع، تبرز حقيقة سياسية أساسية: التماسك لا يُقاس بالشعارات، بل بالقدرة على تحويل التوافق إلى فعل، والاختلاف إلى تنسيق، والمواقف إلى نتائج.

 

أما المثل المغربي «من الخيمة خرج عوج»، فليس حكماً نهائياً على المعارضة ولا إدانة للتعدد السياسي، بل عنوان نقدي يختزل سؤالاً يستحق أن تطرحه مكوناتها على نفسها: هل تكمن المشكلة في قوة الأغلبية، أم في قدرة المعارضة على تدبير اختلافاتها وصناعة موقف مشترك؟

 

فالبرلمان لا يحتاج إلى أغلبية تصوّت فحسب، ولا إلى معارضة تعترض فحسب، بل إلى أغلبية تتحمل مسؤولية التدبير، ومعارضة تمتلك أدوات المراقبة والاقتراح والمساءلة. وما عدا ذلك، ستظل الأرقام تحسم الاستحقاقات، فيما يبقى سؤال الفاعلية السياسية مفتوحاً أمام الجميع.