قبلاني المصطفى
تربية الأطفال في المهجر ليست مجرد مسؤولية أسرية، بل هي تحدٍّ يومي تعيشه آلاف العائلات المغربية المقيمة بالخارج، وهي تحاول التوفيق بين الحفاظ على الهوية الوطنية والثقافية لأبنائها، ومساعدتهم على الاندماج في المجتمعات التي وُلدوا أو نشؤوا فيها.
ففي فرنسا وإيطاليا وباقي الدول الأوروبية، يكبر أبناء الجالية المغربية بين ثقافتين مختلفتين؛ ثقافة البيت بما تحمله من لغة عربية أو أمازيغية، وقيم أسرية وتقاليد متوارثة، وثقافة المجتمع الذي يحتضنهم، حيث المدرسة والأصدقاء ووسائل التواصل الاجتماعي عوامل تؤثر بشكل مباشر في تكوين شخصياتهم وتوجهاتهم.
ويطرح هذا الواقع سؤالاً جوهرياً أمام الآباء والأمهات: كيف يمكن تربية جيل منفتح على محيطه، ومتمكن من أدوات النجاح في بلد الإقامة، دون أن يفقد صلته بوطنه الأصلي وتاريخه وهويته؟
إن أحد أبرز التحديات يتمثل في تراجع استعمال اللغة الأم داخل بعض الأسر، خصوصاً عندما تصبح لغة بلد الإقامة هي اللغة الأساسية للأبناء في المدرسة والحياة اليومية. ومع مرور الوقت، قد يجد هؤلاء صعوبة في التواصل مع أجدادهم وأقاربهم، وهو ما يضعف أحياناً الروابط العائلية والثقافية بين الأجيال.
ولا تقل أهمية عن ذلك مسألة القيم والتقاليد، إذ يجد الآباء أنفسهم أمام ضرورة شرح اختياراتهم التربوية لأبنائهم، في عالم تتعدد فيه المرجعيات وتتسارع فيه التحولات الاجتماعية والثقافية. وهنا، لا يكفي الاعتماد على الأوامر والمنع، بل يصبح الحوار والتفاهم والقدوة الحسنة وسائل أساسية لبناء علاقة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل.
وفي المقابل، فإن الحفاظ على الهوية لا يعني الانغلاق أو رفض ثقافة المجتمع المضيف، كما أن الاندماج لا يعني التخلي عن الجذور. فالطفل المغربي يستطيع أن يعتز بأصله وثقافته، وأن ينجح في دراسته وعمله، وأن يكون في الوقت نفسه عضواً فاعلاً وإيجابياً في المجتمع الذي يعيش فيه.
وتتحمل الأسرة مسؤولية محورية في هذا المسار، من خلال التحدث مع الأبناء بلغتهم الأم، وتعريفهم بتاريخ المغرب وتقاليده، وتشجيعهم على زيارة الوطن والتواصل مع الأقارب، وإشراكهم في الأنشطة الثقافية والاجتماعية التي تنظمها الجمعيات المغربية بالخارج. كما يمكن للمدرسة ومؤسسات المجتمع المدني أن تؤدي دوراً مهماً في تعزيز التعدد الثقافي وترسيخ قيم المواطنة والتعايش.
ومن الضروري أيضاً الإنصات إلى الأبناء وفهم التحديات التي يواجهونها، خصوصاً عندما يشعرون بأنهم مطالبون بالاختيار بين هويتهم العائلية وانتمائهم إلى المجتمع الذي نشؤوا فيه. فبدلاً من تحويل الاختلاف إلى مصدر للصراع، ينبغي مساعدة الأطفال على فهم أن تعدد الانتماءات يمكن أن يكون مصدر غنى وقوة، متى اقترن بالثقة بالنفس والاحترام المتبادل.
إن أبناء الجالية المغربية ليسوا مجرد امتداد للماضي، بل هم أيضاً صناع المستقبل، يحملون معهم تجارب متعددة وقدرات يمكن أن تسهم في بناء جسور التواصل بين المغرب وبلدان الإقامة. ولذلك، فإن الاستثمار في تربيتهم وتعليمهم وتعزيز ارتباطهم بجذورهم مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود الأسرة لتشمل مختلف المؤسسات المعنية بشؤون مغاربة العالم.
وفي نهاية المطاف، فإن الرهان الحقيقي ليس في أن نختار لأبنائنا بين الوطن الأم وبلد الإقامة، بل في أن نمنحهم تربية متوازنة تجعلهم يعتزون بأصولهم، ويحترمون محيطهم، ويواجهون المستقبل بثقة ومسؤولية. فالأبناء الذين يعرفون جذورهم جيداً، ويجدون في أسرهم الحب والحوار والاحتواء، يكونون أكثر قدرة على بناء هويتهم والانفتاح على العالم دون الشعور بأن عليهم التخلي عن جزء من أنفسهم.

