بقلم/ سيداتي بيدا
في سبتة المحتلة، لا يبدو البحر مجرد مساحة زرقاء تفصل ضفتين، بل صار شاهداً صامتاً على مأساة إنسانية تتكرر، فيما تتسع الفجوة بين الشعارات الأوروبية عن حقوق الإنسان وواقع مهاجرين يبتلعهم البحر ثم تدفن قصصهم في صمت ثقيل.
82 جثماناً انتُشلت، وفق المعطيات الواردة في هذا الملف، بينما لم تحسم هوية سوى ستة منهم. أرقام باردة في سجلات إدارية، لكنها في الحقيقة كانت أجساداً تحمل أسماءً وذكريات وعائلات تنتظر خبراً، وأمهات وآباء لم يكن أكبر أحلامهم سوى معرفة أين انتهى مصير أبنائهم.
المؤلم ليس الموت وحده، بل الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الإنسان، بعد موته، إلى رقم بلا اسم وقبر بلا حكاية.
هنا تحديداً يصبح السؤال أكثر إلحاحاً أين تنتهي مسؤولية الدولة وتبدأ مسؤولية الإنسانية؟
ليس المطلوب من مدريد أن تمنع البحر من الحركة، ولا أن تتحكم في مصائر الموج، لكن المطلوب منها أن تتعامل مع أرواح البشر باعتبارها أرواحاً، لا ملفات مجهولة الهوية. فحماية الحدود لا يمكن أن تكون مبرراً لإغلاق أبواب العدالة، ولا يجوز أن تتحول الإجراءات الأمنية إلى ستار يحجب الحقيقة عن عائلات الضحايا.
والأكثر استفزازاً أن تتحول المأساة إلى نقاش تقني حول توسعة المقابر، وكأن المشكلة الحقيقية ليست لماذا مات هؤلاء، ومن أين جاءوا، وما الذي دفعهم إلى المخاطرة بحياتهم، بل أين ستوضع الجثامين بعد انتشالها!
هكذا يصبح الموت نفسه جزءاً من البيروقراطية جثمان يسجل، قبر يُخصص، ملف يُغلق، ثم تمضي الحياة وكأن شيئاً لم يحدث.
لكن لا، البحر لا يغلق الملفات.
كل جثمان مجهول الهوية يطرح سؤالاً مفتوحاً. وكل قبر بلا اسم يترك جرحاً في ضمير من يتحدثون عن حقوق الإنسان ثم يكتفون بإحصاء الضحايا. وكل عائلة تجهل مصير ابنها تحمل مأساة لا يمكن اختزالها في خانة داخل سجل إداري.
إن قضية مهاجري سبتة لا تحتاج إلى خطابات موسمية، بل إلى شفافية حقيقية، وتحديد للهوية، وإخبار للعائلات، وفتح نقاش جدي حول سياسات الهجرة والإنقاذ وحماية الأرواح.
أما تحويل المقابر إلى حل نهائي، فهو ليس معالجة للمأساة، بل إدارة لنتائجها.
وإذا كانت مدريد تريد حماية حدودها، فذلك حق سيادي لا ينازعها فيه أحد. لكن السيادة لا تعني إلغاء الكرامة الإنسانية، والأمن لا يمنح أحداً رخصة للتعامل مع الموتى كأرقام.
فالذين ابتلعهم البحر لم يكونوا أرقاماً عندما كانوا أحياء، ولا يجوز أن يصبحوا أرقاماً بعدما ماتوا.
والتاريخ، مهما طال الصمت، يحتفظ دائماً بسجل آخر لا تملك الجرافات ولا الملفات الإدارية القدرة على دفنه.

