
سعيد الطهاري:الأحداث الوطنية
لم أكن أرغب في الخوض في الجدل الدائر حول مهرجان مكناس للدراما التلفزية، ليس لأن الموضوع لا يستحق النقاش، وإنما لأنني كنت، ولا أزال، أؤمن بأن بعض القضايا الثقافية أكبر من أن تُختزل في سجال عابر أو أن تتحول إلى مادة لتبادل الاتهامات والمواقف.
لكن عندما يتعلق الأمر بمهرجان يحمل اسم مكناس، واستطاع على مدى نحو خمسة عشر عاماً أن يحجز لنفسه مكاناً في المشهد الثقافي والفني الوطني، يصبح الصمت أقل راحة من الكلام. وما يدفعني إلى الكتابة هنا ليس الاصطفاف إلى جانب جهة ضد أخرى، ولا الدفاع عن جمعية أو مجلس جماعي، وإنما الغيرة على مدينة تستحق أن تكون أكبر من خلافاتها، وعلى مشروع ثقافي لا ينبغي أن يصبح ضحية لصراعات الكواليس.
حين يختلف الفرقاء.. لا ينبغي أن تخسر المدينة
من الطبيعي أن تختلف المؤسسات والجمعيات والفاعلون السياسيون حول طرق تدبير المشاريع الثقافية، ومن الطبيعي أيضاً أن تُطرح الأسئلة حول المال العام، ومصادر التمويل، وأوجه صرف الدعم، وطرق الحكامة والتقييم.
بل إن السؤال عن المال العام ليس جريمة، والمطالبة بالشفافية ليست استهدافاً، كما أن الدفاع عن مشروع ثقافي ليس بالضرورة تبريراً لكل ما يحيط به.
المشكلة تبدأ عندما يغادر النقاش مجاله الطبيعي، أي مجال التقييم والمساءلة والاقتراح، ليتحول إلى مواجهة سياسية وشخصية يكون فيها المشروع الثقافي نفسه هو الخاسر الأكبر.
وهنا تحديداً ينبغي التوقف.
فمهرجان مكناس للدراما التلفزية ليس ملكاً لجمعية، ولا للمجلس الجماعي، ولا لأي مسؤول أو منتخب أو فاعل ثقافي. إنه، في النهاية، جزء من الرصيد الثقافي لمدينة تحمل اسمه، ومن الطبيعي أن يكون مستقبل هذا الرصيد محل اهتمام أبناء مكناس جميعاً.
خمسة عشر عاماً ليست تفصيلاً عابراً
لا يمكن إنكار أن مهرجاناً استطاع أن يستمر خمسة عشر عاماً في بلد تتغير فيه المشاريع والبرامج والمواعيد الثقافية، يمثل في حد ذاته تجربة تستحق التقييم.
لكن الاستمرارية وحدها لا تمنح أي مشروع حصانة من النقد.
فإذا كان المهرجان قد راكم تجربة وسمعة وعلاقات داخل الوسط الفني والإعلامي، فإن السؤال اليوم لا ينبغي أن يكون فقط: من المسؤول عن الأزمة؟
بل يجب أن يكون السؤال الأهم:
كيف نضمن أن يستمر المهرجان، ولكن بصورة أفضل؟
كيف نجعله أكثر انفتاحاً على أبناء المدينة؟
كيف نمنح الفاعلين الثقافيين المحليين موقعاً حقيقياً داخله؟
كيف نربط الدعم العمومي بنتائج قابلة للقياس؟
كيف نضمن الحكامة والشفافية دون قتل المبادرة والإبداع؟
وكيف نحمي المهرجان من أن يتحول إلى ورقة في أي صراع سياسي أو انتخابي؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تُطرح.
المال العام حق للمواطن.. والشفافية حق للجميع
لا أحد يمكنه أن يجادل في أن المال العام يجب أن يخضع للمراقبة والحساب.
وإذا كانت هناك ملاحظات أو أسئلة مرتبطة بتدبير الدعم العمومي، فإن الطريق الطبيعي لمعالجتها هو المؤسسات المختصة، والوثائق، والتقارير، والافتحاص، والقانون، وليس الأحكام المسبقة أو الحملات المتبادلة.
وفي الاتجاه المقابل، فإن وجود أسئلة حول التدبير لا يعني تلقائياً وجود اختلالات أو سوء نية.
وهذه نقطة أساسية يجب أن تحضر في كل نقاش مسؤول.
فـالمساءلة ليست إدانة، والدفاع ليس تبرئة، والاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى محكمة شعبية.
ولذلك، فإن أي مراجعة لطريقة دعم المهرجان أو تدبيره ينبغي أن تتم وفق قواعد واضحة وموضوعية، بعيداً عن منطق تصفية الحسابات، وبما يحفظ في الوقت نفسه حق المواطنين في معرفة كيف تُصرف أموالهم، وحق الفاعلين الثقافيين في العمل بعيداً عن الضغط السياسي.
مكناس ليست مجرد فضاء للاحتضان
ربما يكون السؤال الأكثر إزعاجاً في هذه القضية هو: ماذا استفادت مكناس، وأبناؤها، من مهرجان يحمل اسمها طوال هذه السنوات؟
ليس المقصود التقليل من قيمة ما تحقق، ولا إنكار حضور فنانين ودراما وإعلاميين داخل المدينة، وإنما طرح سؤال مشروع حول الأثر الثقافي والاقتصادي والاجتماعي الحقيقي للمهرجان.
هل استطاع أن يصنع جسراً دائماً بين صناعة الدراما الوطنية والمواهب المكناسية؟
هل استفاد منه شباب المدينة وطلبتها وفنانوها؟
هل تحولت أيام المهرجان إلى فرصة للتكوين والورشات واللقاءات المهنية؟
هل أصبح للمدينة حضور حقيقي في برمجته وصناعته، أم أن مكناس تكتفي باحتضان التظاهرة واستقبال ضيوفها؟
هذه الأسئلة ليست ضد المهرجان، بل هي في الحقيقة أسئلة من أجل مهرجان أقوى.
فمكناس لا تحتاج إلى مهرجان يأتي إليها ثم يغادر، وإنما إلى مشروع ثقافي يترك أثراً بعد انطفاء الأضواء.
لا نريد أن نختار بين الثقافة والشفافية
أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يُدفع الرأي العام إلى الاعتقاد بأن عليه أن يختار بين أمرين متناقضين: إما أن يدافع عن المهرجان، وإما أن يطالب بالشفافية.
والحقيقة أن المدينة تحتاج إلى الاثنين معاً.
نحتاج إلى مهرجان قوي، ونحتاج إلى حكامة قوية.
نحتاج إلى الإبداع، ونحتاج إلى الحساب.
نحتاج إلى دعم المبادرات الثقافية، ونحتاج في الوقت نفسه إلى معرفة نتائجها ومردوديتها.
نحتاج إلى احترام الفنان والمثقف، كما نحتاج إلى احترام المواطن الذي يساهم ماله العام في تمويل هذه المشاريع.
لا تعارض بين الثقافة والحكامة؛ بل إن الحكامة الجيدة هي التي تحمي الثقافة من الاستغلال، وتحمي المال العام من الهدر، وتحمي المؤسسات من الشبهات.
الخلاف السياسي لا يجب أن يكتب نهاية الحكاية
ما يثير القلق أكثر من الخلاف نفسه هو أن يتحول مهرجان ثقافي إلى عنوان لصراع سياسي.
فالانتخابات تأتي وتذهب، والمجالس تتغير، والتحالفات تتبدل، والمسؤولون يغادرون مواقعهم، لكن المشاريع الثقافية التي تحمل اسم المدن يفترض أن تكون أعمق من كل ذلك.
إذا كان هناك خلاف حول طريقة التدبير، فليُناقش.
وإذا كانت هناك ملاحظات، فلتُوثق.
وإذا كانت هناك اختلالات ثابتة، فلتتحمل الجهات المسؤولة مسؤوليتها وفق القانون.
وإذا كان هناك تقصير، فليتم تصحيحه.
لكن لا ينبغي أن تكون النتيجة هي أن تستيقظ مكناس ذات صباح لتجد أن مهرجاناً عمره خمسة عشر عاماً قد أصبح ضحية لصراع لم تكن طرفاً فيه.
الحل ليس الإلغاء.. بل إعادة البناء
ربما آن الأوان للتفكير في صيغة جديدة تخرج المهرجان من منطق العلاقة الظرفية بين الدعم والتدبير، وتضع له إطاراً أكثر وضوحاً واستدامة.
صيغة تضمن التقييم السنوي، والشفافية المالية، وتعدد الشركاء، والانفتاح على الفاعلين المحليين، وإشراك المهنيين الحقيقيين في صناعة البرنامج، وقياس الأثر الثقافي والاقتصادي للتظاهرة.
ولماذا لا يصبح المهرجان مناسبة سنوية لتقديم حصيلة واضحة للرأي العام؟
لماذا لا يعرف المكناسيون ما الذي تحقق، وما الذي لم يتحقق، وما الذي سيُنجز في الدورة المقبلة؟
ولماذا لا تتحول مكناس، بما تملكه من تاريخ ومؤهلات ومؤسسات ثقافية، إلى مختبر حقيقي لتطوير العلاقة بين المدينة وصناعة الدراما الوطنية؟
هذه ليست مطالب تعجيزية، وإنما شروط طبيعية لأي مشروع يريد أن يعيش خمسة عشر عاماً أخرى، لا أن يكتفي بالدفاع عن السنوات الخمس عشرة الماضية.
في النهاية.. مكناس هي الرابح الذي يجب ألا يُنسى
قد يكون لكل طرف في هذا الخلاف روايته، وقد تكون لكل جهة حججها ووثائقها وقراءتها للأحداث.
لكن هناك حقيقة أكبر من كل الروايات:
مكناس لا يجب أن تكون الخاسر.
لا يجوز أن تتحول الثقافة إلى امتداد للصراع السياسي، ولا أن يتحول المال العام إلى مادة للتجاذب، ولا أن يصبح الفنان والمثقف مجرد متفرج على معركة لا تعنيه.
إن كان مهرجان الدراما قد أخطأ في بعض مساراته، فليُصحح.
وإن كان المجلس الجماعي يرى أن طريقة الدعم تحتاج إلى مراجعة، فلتكن المراجعة واضحة وشفافة.
وإن كانت الجمعية المنظمة ترى أنها قدمت ما يكفي من الجهد والاستمرارية، فلتعرض حصيلتها للرأي العام.
وفي كل الحالات، يجب أن تكون المصلحة العامة هي الحكم.
لقد عاشت مكناس طويلاً على هامش كثير من المشاريع الوطنية الكبرى، ولذلك لا ينبغي أن نختلف حول مشروع استطاع أن يضع اسم المدينة، ولو جزئياً، تحت أضواء المشهد الفني الوطني.
مكناس تستحق أكثر من مهرجان.
تستحق مشروعاً ثقافياً مستداماً، شفافاً، منفتحاً، يشارك فيه أبناؤها، ويستفيد منه شبابها، ويحترم المال العام، ويستقل عن التجاذبات السياسية.
أما مهرجان الدراما، فإن أفضل ما يمكن أن يحدث له اليوم ليس أن ينتصر طرف على طرف، وإنما أن تنتصر مكناس على خلافاتها، وأن تخرج من هذه الأزمة بمهرجان أقوى، وحكامة أفضل، وعلاقة أكثر توازناً بين الثقافة والمدينة والمؤسسات.
فالمهرجان، في نهاية المطاف، يمكن أن يتغير مديره، وتتغير جمعيته، وتتغير تركيبة المجلس الجماعي، لكن اسم مكناس يجب أن يبقى فوق الجميع.

