الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

من منصة النضال إلى باب الترحيل بعدما تتحول المزايدة إلى فاتورة ثقيلة!

Screenshot_20260811-220331

 

 

بقلم/ سيداتي بيدا

في زمنٍ أصبحت فيه مواقع التواصل تمنح البعض شجاعةً مجانية، صار من السهل أن ترفع الصوت، وأن تتقمص دور المناضل، وأن تدخل في معارك أكبر من قدرتك على تحمل نتائجها.
لكن المشكلة تبدأ عندما تنتهي التصفيقات… ويبدأ الحساب.
قصة إبتهال أبو السعد، التي تصدرت الجدل بعد مواقف احتجاجية مرتبطة بالحرب في غزة داخل شركة مايكروسوفت، لا ينبغي اختزالها في شخص أو مؤسسة، بل تستحق أن تُقرأ باعتبارها درساً قاسياً في الفرق بين امتلاك موقف سياسي وامتلاك القدرة على تحمل تبعاته.
أن تؤمن بالقضية الفلسطينية؟ حقك.
أن تنتقد الحرب؟ حقك.
أن ترفع صوتك ضد ما تعتبره ظلماً؟ حقك أيضاً.
لكن أن تتعامل مع مكان عملك وكأنه منصة سياسية مفتوحة، أو تتجاهل قواعد المؤسسة والبلد الذي تعيش فيه، فهنا تبدأ منطقة أخرى تماماً.
الغرب ليس جمعية خيرية، والشركات الكبرى ليست ساحات مفتوحة للخطابة السياسية. هناك قوانين، وعقود، وأنظمة داخلية، وحدود لما يمكن فعله داخل المؤسسة. ومن يقرر تجاوزها عليه أن يدرك أن الحماس لا يلغي العواقب.
والأكثر خطورة هو أن تتحول القضية الفلسطينية، بما تحمله من ألم إنساني وتاريخ سياسي بالغ التعقيد، إلى سباق للمزايدة: من الأكثر غضباً؟ من الأكثر صراخاً؟ ومن يستطيع أن يثبت أنه “فلسطيني أكثر من الفلسطينيين”؟
القضايا الكبرى لا تحتاج إلى استعراض الأبطال، بل تحتاج إلى عقلاء يعرفون متى يتكلمون، وكيف يتكلمون، وأين يتكلمون.
ثم هناك قاعدة لا يجوز تجاهلها: البلد الذي تستقبلك له قوانينه، والمؤسسة التي تشغلك لها قواعدها، وأنت قبل كل شيء مسؤول عن اختياراتك.
أما تفاصيل الوضع القانوني أو أي إجراءات مرتبطة بالإقامة أو الترحيل أو الحياة الشخصية، فلا يصح تحويلها إلى مادة للتشهير أو الإدانة قبل التحقق من المصادر الرسمية.
الدرس الحقيقي إذن ليس “اصمت”، وليس “تخلَّ عن مبادئك”.
الدرس هو لا تجعل حماسك يحرق مستقبلك، ولا تجعل قضيتك تتحول إلى معركة شخصية، ولا تخلط بين الشجاعة والتهور.
فكم من شخص بدأ المعركة وهو يعتقد أنه يملك زمامها، وانتهى به الأمر واقفاً أمام بابٍ لم يكن يتوقع أن يُغلق في وجهه.
ارفع صوتك إن شئت
لكن لا تفقد عقلك.
فالمناضل الحقيقي ليس من يصرخ أكثر، بل من يعرف كيف ينتصر لقضيته دون أن يهزم نفسه.