الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

مكناس تعزف سيمفونية التراث المغربي… مهرجان عيساوة في دورته السادسة يؤكد أن الثقافة رافعة للإشعاع الحضاري تحت الرعاية السامية لجلالة الملك

IMG-20260726-WA0021

سعيد الطهاري :الأحداث الوطنية

 

ليست المهرجانات الكبرى مجرد سهرات فنية أو مواعيد موسمية عابرة، وإنما هي مرآة تعكس مستوى وعي الأمم بتراثها، وقدرتها على تحويل الذاكرة الجماعية إلى قوة ناعمة تخاطب العالم بلغة الثقافة والإبداع. ومن هذا المنطلق، جاءت الدورة السادسة للمهرجان الوطني لعيساوة بمدينة مكناس، المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، لتؤكد أن المغرب، بقيادته الرشيدة، ماضٍ بثبات في تثمين موروثه الحضاري وترسيخ مكانته كرافد أساسي من روافد التنمية والإشعاع الثقافي.

لقد كانت مكناس، العاصمة الإسماعيلية، على موعد مع حدث استثنائي بكل المقاييس؛ حدث تجاوز حدود الاحتفال بالفن العيساوي، ليقدم نموذجاً وطنياً في التنظيم المحكم، وحسن التدبير، والقدرة على استثمار الفضاءات التاريخية في خدمة الثقافة، في مشهد حضاري يليق بمدينة تحتضن إرثاً عمرانياً وإنسانياً يمتد لقرون.

وما ميز هذه الدورة، إلى جانب الزخم الجماهيري والإقبال الكبير الذي عرفته مختلف الفعاليات، هو الرؤية التنظيمية المتقنة التي جعلت من المهرجان تجربة متكاملة، حيث وزعت برامجه على ثلاث منصات كبرى احتضنتها أشهر المعالم التاريخية بمدينة مكناس. فقد تحولت منصة باب منصور لعلج بساحة الهديم، ذلك الصرح المعماري الشامخ الذي يعد من أعظم الأبواب التاريخية في العالم الإسلامي، إلى مسرح مفتوح نابض بالحياة، التقت فيه روائع الفن بأصالة المكان. أما منصة صهريج السواني، فقد منحت الجمهور تجربة بصرية وجمالية استثنائية وسط فضاء يحمل عبق التاريخ وعظمة الدولة الإسماعيلية، فيما أكدت ساحة لاكورا مكانتها كفضاء ثقافي احتضن فقرات متنوعة، أضفت على المهرجان بعداً شعبياً وإنسانياً، ووسعت من دائرة تفاعل الساكنة والزوار مع مختلف الأنشطة.

ولم يكن هذا النجاح التنظيمي مجرد تفصيل عابر، بل كان عنواناً لعمل مؤسساتي دقيق، جسد مستوى التنسيق بين مختلف المتدخلين، وساهم في إخراج هذه التظاهرة الوطنية بصورة مشرقة، نالت استحسان الفنانين والضيوف والجمهور على حد سواء، وأكدت أن مكناس تمتلك كل المقومات لاحتضان أكبر المواعيد الثقافية بالمملكة.

وعلى المستوى الفني، عرفت الدورة السادسة مشاركة نخبة من الفنانين المغاربة المرموقين، إلى جانب فرق عيساوية عريقة قدمت عروضاً استحضرت العمق الروحي والجمالي لهذا الفن المغربي الأصيل، الذي ظل عبر القرون أحد أبرز التعبيرات الثقافية والدينية للمغرب، وحاملاً لقيم التسامح والتآخي والتشبث بالهوية الوطنية.

ولعل أبرز ما يمكن تسجيله في هذه الدورة، أنها لم تكتف بالاحتفاء بفن عيساوة، بل نجحت في تحويل مدينة مكناس إلى منصة وطنية للتعريف بالموروث المغربي، وإلى فضاء يلتقي فيه التاريخ بالفن، والتراث بالتنمية، والثقافة بالسياحة. فقد شهدت المدينة حركية اقتصادية وسياحية لافتة، انعكست إيجاباً على مختلف المرافق والخدمات، في تأكيد جديد على أن الاستثمار في الثقافة أصبح خياراً استراتيجياً يساهم في خلق الدينامية الاقتصادية وتعزيز جاذبية المدن المغربية.

إن الرعاية السامية التي ما فتئ يحيط بها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله هذا المهرجان، ليست مجرد تشريف بروتوكولي، بل هي رسالة واضحة تؤكد المكانة التي يحتلها التراث الوطني ضمن الرؤية الملكية المتبصرة، باعتباره أحد المقومات الأساسية للهوية المغربية وركيزة من ركائز التنمية المستدامة والدبلوماسية الثقافية للمملكة.

لقد انتهت فعاليات الدورة السادسة، لكن رسائلها ستظل راسخة؛ فمكناس أكدت مرة أخرى أنها ليست مدينة تحرس التاريخ فحسب، بل مدينة تصنع الحاضر وتستشرف المستقبل، وأن مهرجان عيساوة لم يعد مجرد موعد فني سنوي، بل أصبح مشروعاً ثقافياً وطنياً بامتياز، يجسد صورة المغرب المتشبث بأصالته، والمنفتح بثقة على العالم، تحت القيادة الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.