الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

خريبكة.. تسعيرة سيارات الأجرة بين القرار والواقع والعداد يفرض نفسه حلاً لإنهاء الجدل

IMG-20260725-WA0069

مصطفى قبلاني /خريبكة

 

عاد موضوع تسعيرة سيارات الأجرة من الصنف الثاني بمدينة خريبكة إلى واجهة النقاش، في ظل اتساع المجال العمراني للمدينة وتزايد المسافات التي أصبحت تقطعها سيارات الأجرة، مقابل استمرار اعتماد تسعيرة أصبحت، بحسب مهنيين، في حاجة إلى مراجعة تأخذ بعين الاعتبار التحولات التي عرفتها المدينة خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا الإطار، وجهت الفيدرالية الوطنية لمستغلي وسائقي سيارات الأجرة من الصنف الثاني – فرع خريبكة، مراسلة إلى باشا مدينة خريبكة، تطالب من خلالها بمراجعة التسعيرة وتفعيل العداد، باعتبار ذلك مدخلاً لضمان الوضوح والشفافية في تحديد ثمن الرحلات.
وتتوفر الجريدة على نسخة من هذه المراسلة المؤرخة في 7 يوليوز 2026، والتي تؤكد أن مدينة خريبكة عرفت خلال السنوات الأخيرة توسعاً عمرانياً كبيراً، وظهور أحياء جديدة وبعيدة، الأمر الذي جعل التسعيرة الحالية، وفق المهنيين، غير ملائمة للتوسع الذي عرفته المدينة ولارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف صيانة السيارات.
موضوع التسعيرة لم يعد مجرد ملف مهني، بل أصبح جزءاً من النقاش اليومي داخل سيارات الأجرة. فبمجرد أن يستقل المواطن سيارة أجرة، قد يبدأ الحديث حول المسافة والثمن، وما إذا كانت الرحلة تدخل ضمن التسعيرة المعمول بها أم تستوجب مبلغاً إضافياً. السائق من جهته يتحدث عن ارتفاع تكلفة المحروقات وقطع الغيار والتأمين والإصلاحات، وعن المسافات التي أصبحت السيارات تقطعها للوصول إلى أحياء جديدة أصبحت جزءاً من الامتداد الحضري لخريبكة. أما المواطن، فيتمسك بحقه في أداء التسعيرة القانونية المحددة، ويريد في المقابل خدمة واضحة لا تترك مجالاً للتقدير الشخصي أو النقاش عند نهاية كل رحلة.
ولعل تجربة شخصية عشتها مؤخراً تختصر جانباً من هذا الإشكال، فقد استقلت سيارة أجرة صغيرة من مكانة وسط المدينة في اتجاه شارع الروداني بالقرب من المقاطعة، وعند الوصول طلب مني السائق أداء 10 دراهم، في حين أن التسعيرة المحددة، وفق المعطيات الواردة في المراسلة والقرار العاملي المشار إليه فيها، هي 8 دراهم. قد يبدو الفارق بسيطاً، لكن المسألة في الحقيقة لا تتعلق بدرهمين فقط، وإنما بغياب آلية واضحة تجعل السائق والزبون يعرفان، دون نقاش، قيمة الرحلة. فلا المواطن يريد أن يدخل في جدال مع السائق، ولا السائق يريد أن يجد نفسه في مواجهة مستمرة مع الزبناء حول ثمن الرحلة.
من هنا تبرز أهمية اعتماد العداد الإلكتروني، ليس باعتباره وسيلة للتضييق على المهنيين، وإنما باعتباره أداة لتحقيق العدالة والشفافية بين الطرفين. فالعداد سيجعل ثمن الرحلة مرتبطاً بالمسافة الفعلية المقطوعة، ويضع حداً لعبارة «السائق قال» و«الزبون قال». كما سيمنح المواطن وضوحاً أكبر، وفي المقابل سيضمن للسائق احتساباً دقيقاً للمسافة التي قطعها.
وتشير الفيدرالية في مراسلتها إلى مطلب اعتماد عداد إلكتروني إلزامي كآلية وحيدة وعصرية لتطبيق التسعيرة، مع الأخذ بعين الاعتبار المسافة الفعلية المقطوعة، إضافة إلى مقترح تقسيم المدينة إلى مناطق أو اعتماد تعريفة بالكيلومتر لمواكبة التوسع العمراني الجديد، كما طالبت بمنح مهلة ثلاثة أشهر لتجهيز جميع السيارات بالعدادات.
إن ملف سيارات الأجرة يحتاج إلى مقاربة هادئة ومسؤولة، بعيداً عن منطق الصراع بين المواطن والسائق. فالسائق مهني له حقوق ومصاريف والتزامات، والمواطن بدوره له الحق في خدمة واضحة وتسعيرة معلومة. ولهذا، فإن الحل لا يكمن في استمرار النقاش اليومي داخل سيارات الأجرة، ولا في أن يصبح تحديد ثمن الرحلة خاضعاً للتقدير من رحلة إلى أخرى، وإنما في تنظيم واضح وشفاف يحدد حقوق وواجبات الجميع.
ومن شأن فتح حوار جاد بين السلطات المحلية وممثلي المهنيين، والاستماع كذلك إلى انشغالات المواطنين، أن يقود إلى صيغة متوازنة تراعي التوسع العمراني الذي عرفته خريبكة، وتكاليف المهنة، والقدرة الشرائية للمواطنين.
ويبقى العداد الإلكتروني أحد أبرز الحلول المطروحة اليوم، لأنه ببساطة يجعل المسافة والثمن واضحين أمام الجميع، ويضع حداً للكثير من النقاشات التي أصبحت تتكرر بشكل يومي. خريبكة تتغير وتتوسع، ومن الطبيعي أن تتطور معها خدمات النقل الحضري. والمطلوب اليوم ليس فقط مراجعة التسعيرة، بل اعتماد نظام حديث وشفاف يجعل المواطن يعرف ما سيدفع، ويضمن للسائق حقه، ويعيد الثقة إلى العلاقة بين الطرفين. فحين يصبح العداد هو الحكم، لن يبقى هناك مجال كبير للاجتهاد أو سوء الفهم، وستتحول رحلة سيارة الأجرة من نقاش متكرر حول الثمن إلى خدمة واضحة يعرف فيها كل طرف حقه وواجبه.