الأحداث الوطنية|أقلام حرة

الأمن المائي بين النص الإجرائي والواقع القضائي: دور النيابة العامة في حماية الملك العمومي المائي.

Screenshot_20260513-235643

بقلم: حبيل رشيد
يشكل الأمن المائي بالمملكة المغربية أحد المرتكزات الأساسية للأمن الاستراتيجي الوطني، بالنظر إلى الارتباط الوثيق بين الموارد المائية ومتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وقد أضحى تدبير الماء خلال السنوات الأخيرة قضية ذات بعد سيادي، تفرض على الدولة اعتماد مقاربة قانونية ومؤسساتية دقيقة قوامها الحماية التشريعية والرقابة القضائية والزجر الإداري والجنائي، خاصة في ظل تزايد الضغوط المناخية وتوالي سنوات الجفاف وارتفاع الطلب على الموارد المائية السطحية والجوفية.

وفي هذا الإطار، تدخل المشرع المغربي عبر القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.16.113 بتاريخ 6 ذي القعدة 1437 الموافق لـ10 غشت 2016، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 6494 بتاريخ 25 غشت 2016، بهدف إعادة هيكلة المنظومة القانونية المؤطرة للمجال المائي، وتعويض القانون رقم 10.95 الذي أصبح عاجزا عن مواكبة التحولات المناخية والديمغرافية والاقتصادية التي يعرفها المغرب. وقد اعتمد القانون الجديد على فلسفة قانونية حديثة ترتكز على مبادئ التدبير المندمج للموارد المائية، والتخطيط اللامركزي، وحماية الملك العمومي المائي، وربط المسؤولية بالمحاسبة في مجال الاستغلال المائي.

ويكتسي هذا القانون أهمية دستورية بالنظر إلى ارتباطه بالفصل 31 من دستور المملكة المغربية، الذي ألزم الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بتعبئة الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين من الحق في الماء والعيش في بيئة سليمة. ومن ثم، فإن حماية الموارد المائية لم تعد مجرد اختصاص إداري تقني، وإنما أصبحت التزاما دستوريا وقانونيا يفرض على السلطات العمومية، وفي مقدمتها السلطة القضائية، التدخل لضمان احترام القواعد المنظمة للملك العمومي المائي.

ويعتبر الملك العمومي المائي من الأملاك العامة التي تخضع لنظام قانوني خاص، بالنظر إلى طبيعته الحيوية وارتباطه بالمصلحة العامة. وقد نصت المادة الثالثة من القانون رقم 36.15 على أن الملك العمومي المائي يشمل مجموع الأملاك المائية والأملاك المرتبطة بالماء، سواء كانت طبيعية أو اصطناعية، بما في ذلك المياه السطحية والجوفية والمنشآت المائية والسدود والقنوات والتجهيزات المرتبطة باستعمال الموارد المائية. ويترتب عن هذا التصنيف خضوع هذه الأملاك لمبدأ عدم القابلية للتفويت أو التملك الخاص خارج الأطر القانونية المحددة.

وفي مقابل هذا التنظيم القانوني، يواجه الواقع العملي عدة اختلالات مرتبطة بالاستغلال غير المشروع للمياه، سواء من خلال حفر الآبار غير المرخصة، أو الاستغلال المفرط للفرشات المائية، أو تلويث المياه السطحية والجوفية، أو الاعتداء على المنشآت المائية، وهو ما أدى إلى تنامي الحاجة إلى تدخل مؤسساتي وقضائي فعال لضبط هذه المخالفات وردع مرتكبيها.

وفي هذا السياق، تضطلع النيابة العامة بدور محوري في حماية الملك العمومي المائي باعتبارها الجهة المكلفة بتحريك الدعوى العمومية والسهر على تطبيق القانون. فالقانون رقم 36.15 لم يكتف بإقرار قواعد تنظيمية لتدبير الماء، وإنما وضع آليات زجرية وقضائية تروم حماية الموارد المائية من مختلف أشكال الاعتداء والاستغلال غير المشروع. وقد خول المشرع للنيابة العامة صلاحيات مهمة في مجال الإشراف على الأبحاث والمتابعات المتعلقة بالمخالفات المائية، وذلك في إطار الاختصاصات المخولة لها بموجب قانون المسطرة الجنائية.

وتنص المادة 131 من القانون رقم 36.15 على أن معاينة مخالفات قانون الماء يعهد بها إلى ضباط الشرطة القضائية وأعوان شرطة المياه المحلفين والمؤهلين قانونا للقيام بهذه المهام. ويشمل ذلك الوكيل العام للملك ووكيل الملك وقضاة التحقيق وضباط الشرطة القضائية ذوي الاختصاص العام، إضافة إلى الأعوان التابعين للإدارة ووكالات الأحواض المائية والمؤسسات العمومية المكلفة بمهام شرطة المياه.

ويبرز من خلال هذا المقتضى أن المشرع المغربي اعتمد مقاربة مزدوجة في مجال حماية الملك العمومي المائي، تقوم على التكامل بين الشرطة القضائية ذات الاختصاص العام وشرطة المياه ذات الاختصاص التقني الخاص، وذلك بهدف ضمان فعالية أكبر في رصد المخالفات المائية ومعاينتها وإثباتها. ويؤكد هذا التوجه الطبيعة الخاصة للجرائم المرتبطة بالماء، باعتبارها جرائم تقنية تستوجب خبرة قانونية وتقنية متخصصة.

وقد منح القانون لأعوان شرطة المياه صلاحيات واسعة تشمل ولوج المنشآت المائية والآبار والأثقاب وأخذ العينات وإنجاز المحاضر وحجز المعدات المستعملة في المخالفات، وذلك طبقا للمادتين 132 و133 من القانون رقم 36.15. كما نصت المادة 135 من نفس القانون على أن المحاضر المنجزة من طرف شرطة المياه توجه مباشرة إلى النيابة العامة المختصة داخل أجل عشرة أيام عمل ابتداء من تاريخ معاينة المخالفة، مع اعتبار هذه المحاضر حجة إلى أن يثبت العكس بوسائل الإثبات القانونية.

غير أن فعالية هذه المقتضيات القانونية تظل مرتبطة بمدى قدرة الأجهزة المكلفة بالتنفيذ على ممارسة اختصاصاتها بكفاءة وفعالية. فالواقع العملي يكشف عن وجود عدة صعوبات تعيق تحقيق الحماية القضائية المطلوبة للملك العمومي المائي، سواء على مستوى المعاينة أو الإثبات أو المتابعة القضائية.

وتتجلى هذه الصعوبات أساسا في تعقيد الجرائم المائية من الناحية التقنية، إذ إن إثبات الضرر البيئي أو تحديد حجم الاستغلال غير المشروع للمياه يتطلب خبرات تقنية دقيقة في مجالات الهيدرولوجيا والجيولوجيا والبيئة. كما أن بعض المخالفات تتم في مناطق نائية أو خلال فترات الليل، مما يصعب من مهام المراقبة والمعاينة.

إضافة إلى ذلك، تعاني شرطة المياه من محدودية الوسائل اللوجستيكية والموارد البشرية، فضلا عن غياب تكوين متخصص ومستمر في المجالين القانوني والتقني. ويؤدي هذا الوضع في العديد من الحالات إلى تسجيل اختلالات شكلية في المحاضر، سواء من حيث البيانات القانونية أو احترام الآجال أو شروط الإثبات، الأمر الذي ينعكس سلبا على فعالية المتابعات القضائية ويؤدي أحيانا إلى إسقاط المتابعة لعيوب مسطرية.

كما تطرح إشكالية التنسيق المؤسساتي نفسها بقوة في مجال حماية الملك العمومي المائي، بالنظر إلى تعدد المتدخلين في هذا القطاع، من وكالات الأحواض المائية والجماعات الترابية والسلطات المحلية والأجهزة الأمنية والإدارية. ويؤدي غياب التنسيق المحكم بين هذه الجهات إلى بطء التدخلات وتعقد المساطر الإجرائية المرتبطة بزجر المخالفات المائية.

وفي هذا الصدد، يكتسي دور النيابة العامة أهمية خاصة باعتبارها الجهة المؤهلة قانونا لتنسيق الجهود بين مختلف أجهزة البحث والتحري، وضمان احترام الضوابط القانونية أثناء إنجاز الأبحاث والمتابعات. وقد أكدت رئاسة النيابة العامة من خلال منشورها رقم 8 س/ر ن ع بتاريخ 24 يناير 2018 على ضرورة التنسيق بين النيابات العامة ووكالات الأحواض المائية ومصالح شرطة المياه، مع الدعوة إلى تنظيم دورات تكوينية لفائدة الأعوان المكلفين بالمراقبة والمعاينة.

ويقتضي تعزيز الحماية القضائية للملك العمومي المائي تطوير آليات العمل القضائي في المجال البيئي، عبر إحداث تخصص قضائي في الجرائم البيئية والمائية، وتمكين القضاة وضباط الشرطة القضائية من تكوين متخصص يمكنهم من استيعاب الجوانب التقنية المرتبطة بالجرائم المائية. فالتطور الذي يعرفه القانون البيئي يفرض تجاوز المقاربة التقليدية للعدالة الجنائية واعتماد آليات أكثر تخصصا وفعالية.

كما أن حماية الأمن المائي تستوجب تعزيز الإمكانيات المادية والبشرية لشرطة المياه، من خلال توفير وسائل النقل والتجهيزات التقنية والموارد البشرية الكافية، إضافة إلى إرساء نظام قانوني واضح يحدد شروط تدخل هذه الأجهزة ومجالات اختصاصها وآليات طلب القوة العمومية عند الاقتضاء.

ومن جهة أخرى، فإن فعالية الحماية القضائية للملك العمومي المائي تظل رهينة بسرعة البت في القضايا المرتبطة بالمخالفات المائية، بالنظر إلى الطابع الاستعجالي للضرر البيئي الذي قد ينتج عن بعض الاعتداءات على الموارد المائية. فالتأخر في اتخاذ التدابير القانونية اللازمة قد يؤدي إلى تفاقم الأضرار البيئية وصعوبة إصلاحها لاحقا.

ويقتضي هذا الوضع اعتماد سياسة جنائية مائية تقوم على الردع والسرعة والفعالية، من خلال تشديد العقوبات على الجرائم المرتبطة بالماء، وتبسيط المساطر الإجرائية، وتعزيز صلاحيات أجهزة المراقبة والمعاينة، مع الحرص على ضمان احترام حقوق الدفاع ومبادئ المحاكمة العادلة.

كما أن تحقيق الأمن المائي يفرض اعتماد مقاربة استباقية تقوم على الوقاية والتحسيس إلى جانب الزجر، باعتبار أن الحماية القانونية وحدها تبقى غير كافية في غياب وعي مجتمعي بخطورة الاعتداء على الموارد المائية. ولذلك، فإن ترسيخ ثقافة المحافظة على الماء ينبغي أن يشكل جزءا أساسيا من السياسات العمومية المعتمدة في هذا المجال.

ومن الناحية المؤسساتية، يتعين تعزيز دور وكالات الأحواض المائية باعتبارها الفاعل الإداري الأساسي في تدبير الموارد المائية، مع تمكينها من آليات أكثر فعالية في مجال المراقبة والتتبع والتدخل. كما أن تحديث قواعد البيانات المتعلقة بالملك العمومي المائي وتحديد نطاقه بدقة يشكل ضرورة قانونية وإدارية لضمان فعالية الحماية القضائية.

وفي ظل التحديات المناخية الراهنة، أصبح الأمن المائي بالمغرب يرتبط بشكل مباشر بمفهوم الأمن القومي، بالنظر إلى تأثير ندرة المياه على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والغذائي. ومن ثم، فإن حماية الملك العمومي المائي تقتضي تعبئة شاملة لمختلف المؤسسات الدستورية والقانونية والإدارية والقضائية، وفق رؤية استراتيجية تقوم على الاستدامة والنجاعة والصرامة في تطبيق القانون.

وخلاصة القول، فإن القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء شكل خطوة مهمة في اتجاه تحديث المنظومة القانونية الخاصة بحماية الموارد المائية، غير أن فعالية هذه الحماية تظل مرتبطة بمدى قدرة المؤسسات القضائية والإدارية على تنزيل مقتضياته بشكل عملي وفعال. وتبقى النيابة العامة فاعلا محوريا في هذا المجال، باعتبارها الضامن الأساسي لتفعيل السياسة الجنائية المائية وحماية الملك العمومي المائي من مختلف أشكال الاعتداء والاستغلال غير المشروع.

وعليه، فإن تحقيق الأمن المائي بالمغرب يقتضي تعزيز التنسيق بين النيابة العامة وشرطة المياه ووكالات الأحواض المائية، وتطوير آليات البحث والتحري والمتابعة القضائية، مع توفير تكوين متخصص للفاعلين القضائيين والإداريين في المجال البيئي والمائي، بما يضمن حماية فعالة ومستدامة للموارد المائية الوطنية في إطار احترام مقتضيات الدستور والقانون ومبادئ التنمية المستدامة.

 

وفي سياق الحديث عن الحماية القضائية للملك العمومي المائي، تبرز الحكامة المائية باعتبارها أحد المفاهيم المركزية التي أصبحت تؤطر السياسات العمومية الحديثة المرتبطة بتدبير الموارد الطبيعية، خاصة بعد التحولات العميقة التي عرفها الفكر القانوني والإداري في مجال تدبير المرافق العمومية والموارد الاستراتيجية. فالحكامة في بعدها القانوني والمؤسساتي لا تقتصر على مجرد التدبير الإداري للماء، وإنما تمتد لتشمل مجموع الآليات القانونية والتنظيمية والمؤسساتية والرقابية التي تضمن الاستعمال الرشيد والعادل والمستدام للموارد المائية، وفق مقاربة تقوم على الشفافية والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وقد كرس القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء هذا التوجه من خلال اعتماده لمبادئ التدبير المندمج واللامركزي للموارد المائية، باعتبار أن الحكامة المائية الحديثة تقتضي تجاوز المقاربة القطاعية التقليدية التي كانت تقوم على التدخل المنفصل لكل إدارة أو مؤسسة، والانتقال نحو تدبير تشاركي مندمج يضمن التنسيق بين مختلف المتدخلين في المجال المائي. ويظهر ذلك من خلال تعزيز اختصاصات وكالات الأحواض المائية ومنحها دورا محوريا في التخطيط والتنسيق والمراقبة وتتبع الاستعمالات المائية.

ويقتضي مفهوم الحكامة المائية، من الناحية القانونية، إرساء منظومة مؤسساتية قائمة على ما يمكن تسميته بـ”الأمن القانوني المائي”، أي توفير قواعد قانونية واضحة ومستقرة وقابلة للتنفيذ، تضمن التوازن بين متطلبات الاستثمار والتنمية من جهة، وضرورة حماية الملك العمومي المائي من جهة أخرى. فغياب الوضوح التشريعي أو تضارب الاختصاصات يؤدي بالضرورة إلى إضعاف فعالية الرقابة القضائية والإدارية، ويخلق فراغات قانونية تسمح بانتشار الاستغلال غير المشروع للموارد المائية.

ومن هذا المنطلق، فإن الحكامة المائية ترتبط ارتباطا وثيقا بمفهوم “الفعالية المؤسساتية”، أي قدرة المؤسسات المكلفة بتدبير الماء على ممارسة اختصاصاتها وفق قواعد النجاعة والشفافية والتنسيق. فالواقع العملي يبرز أن تعدد المتدخلين في المجال المائي يؤدي أحيانا إلى تداخل الصلاحيات وضعف التنسيق المؤسساتي، وهو ما ينعكس سلبا على فعالية التدخلات الرقابية والزجرية. ولذلك، فإن تحقيق الأمن المائي يفرض اعتماد نموذج مؤسساتي قائم على التكامل الوظيفي بين الإدارة والنيابة العامة وشرطة المياه ووكالات الأحواض المائية والجماعات الترابية.

كما أن الحكامة المائية الحديثة أصبحت ترتبط بمفهوم “العدالة المائية”، والذي يقصد به ضمان التوزيع العادل والمنصف للموارد المائية بين مختلف الفئات والمجالات الترابية والقطاعات الاقتصادية، بما يحقق التوازن بين الحق في الماء ومتطلبات التنمية المستدامة. فالتفاوتات المجالية في الولوج إلى الموارد المائية تشكل تحديا قانونيا وتنمويا يفرض على الدولة التدخل لتنظيم الاستعمالات المائية وفق أولويات واضحة تستند إلى المصلحة العامة.

وفي هذا الإطار، تضطلع النيابة العامة بدور أساسي في تكريس الحكامة المائية من خلال ضمان التطبيق السليم للقانون ومكافحة مختلف أشكال الاستغلال التعسفي للموارد المائية. فالسياسة الجنائية المائية أصبحت جزءا من السياسة العمومية المرتبطة بالأمن البيئي، الأمر الذي يفرض على النيابة العامة تطوير آليات الاشتغال في القضايا البيئية والمائية، بما يضمن السرعة والفعالية في معالجة المخالفات المرتبطة بالماء.

ويظهر دور الحكامة القضائية في المجال المائي من خلال ضرورة اعتماد مقاربة قائمة على التخصص القضائي والتنسيق المؤسساتي والتتبع المستمر للمخالفات البيئية. فالجرائم المرتبطة بالماء تتميز بخصوصية تقنية وقانونية تجعلها تقتضي تكوينا متخصصا للقضاة وأعوان الشرطة القضائية وشرطة المياه، خاصة فيما يتعلق بإثبات الضرر البيئي وتحديد المسؤوليات القانونية المترتبة عن الاستغلال غير المشروع للموارد المائية.

ومن جهة أخرى، فإن الحكامة المائية ترتبط بمبدأ التدبير الوقائي للمخاطر، باعتبار أن حماية الموارد المائية لا ينبغي أن تقوم فقط على التدخل الزجري بعد وقوع الضرر، وإنما تقتضي اعتماد آليات استباقية للرصد والمراقبة والتقييم المستمر للمخاطر المرتبطة بندرة المياه أو تلوثها أو استنزافها. ويبرز هنا الدور الحيوي للنيابة العامة في تتبع التقارير الصادرة عن شرطة المياه ووكالات الأحواض المائية، واتخاذ التدابير القانونية اللازمة قبل تفاقم الأضرار البيئية.

كما أن الحكامة المائية الحديثة تستند إلى مفهوم “المسؤولية البيئية الممتدة”، والذي يعني تحميل كافة المتدخلين، سواء كانوا أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين أو مؤسسات عمومية أو مقاولات خاصة، مسؤولية قانونية عن الأضرار التي تلحق بالموارد المائية. وقد تبنى المشرع المغربي هذا التوجه من خلال تكريس مبدأ “الملوث المؤدي” وربط الاستغلال المائي بضرورة احترام المعايير البيئية والقانونية المحددة.

غير أن تفعيل هذا المبدأ يظل رهينا بمدى قدرة أجهزة المراقبة والزجر على إثبات العلاقة السببية بين النشاط الملوث والضرر البيئي الناتج عنه، وهي مسألة تطرح عدة صعوبات عملية وقانونية، بالنظر إلى الطابع التقني المعقد للجرائم البيئية والمائية. ولذلك، فإن تعزيز الحكامة المائية يقتضي تطوير الخبرة القضائية والتقنية في مجال البيئة والماء، مع اعتماد وسائل حديثة للرصد والمعاينة والخبرة.

وفي إطار تعزيز الحكامة الجيدة، يبرز أيضا مبدأ الرقمنة القانونية والإدارية باعتباره آلية حديثة لتطوير تدبير القطاع المائي. فاعتماد الأنظمة الرقمية في تتبع الرخص والتصاريح والاستعمالات المائية يمكن أن يساهم في تقوية الشفافية وتبسيط المساطر وتعزيز فعالية المراقبة. كما أن إنشاء قواعد بيانات وطنية موحدة حول الملك العمومي المائي يسمح بتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين وتسهيل عمليات التتبع والمعاينة.

كما تقتضي الحكامة المائية تعزيز آليات الرقابة والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة، سواء بالنسبة للمستغلين أو بالنسبة للإدارات والمؤسسات المكلفة بالتدبير والمراقبة. فضعف المراقبة أو التهاون في تطبيق القانون يؤدي إلى تشجيع الاستغلال غير المشروع للموارد المائية، ويقوض الجهود الرامية إلى تحقيق الأمن المائي.

ومن ثم، فإن الحكامة المائية لا يمكن اختزالها في الجانب الإداري أو التقني فقط، وإنما تعتبر منظومة قانونية ومؤسساتية متكاملة تقوم على التخطيط والتنسيق والشفافية والرقابة والفعالية القضائية. ويظل نجاح هذه المنظومة رهينا بمدى قدرة الدولة على تعبئة مختلف الفاعلين والمؤسسات في إطار رؤية استراتيجية موحدة تجعل من حماية الموارد المائية أولوية وطنية دائمة.

وفي ضوء التحولات المناخية المتسارعة، أصبح من الضروري الانتقال من التدبير الظرفي للأزمات المائية إلى بناء نموذج وطني للحكامة المائية المستدامة، يقوم على الاستباق والتخطيط طويل المدى والتنسيق المؤسساتي الصارم. فالأمن المائي لم يعد قضية قطاعية مرتبطة بوزارة أو مؤسسة معينة، وإنما أصبح قضية أمن استراتيجي تهم مختلف السلط والمؤسسات والفاعلين العموميين والخواص.

وعليه، فإن تطوير الحكامة المائية بالمغرب يقتضي مراجعة مستمرة للمنظومة القانونية والإجرائية، وتعزيز فعالية التدخل القضائي، وتقوية اختصاصات شرطة المياه، وتوسيع مجالات التنسيق بين النيابة العامة والإدارة والسلطات الترابية، بما يضمن حماية حقيقية ومستدامة للملك العمومي المائي وفق مقاربة قانونية حديثة قائمة على النجاعة والاستباق والاستدامة.