سعيد الطهاري: الأحداث الوطنية
لم يعد النقاش في مكناس يدور حول من سيفوز بالمقعد البرلماني، بقدر ما أصبح سؤالاً حارقاً حول من يملك الجرأة لقطع الحبل السري مع وجوه استنفدت رصيدها السياسي. فمع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، كانت دائرة مكناس تبدو وكأنها محكومة سلفاً بإعادة تدوير نفس الأسماء التي بصمت الولاية الحالية، إلى أن دخل عبد الجليل بوسيف على الخط، معلناً ترشحه لأول مرة، في خطوة أربكت حسابات “نادي المرشحين الدائمين”.
أربعة أسماء، أغلبها من صناع المشهد الحالي، كانت تتهيأ لسباق يبدو أقرب إلى “مباراة معادة” أكثر منه تنافساً ديمقراطياً مفتوحاً. غير أن ترشيح بوسيف جاء كرسالة واضحة: زمن احتكار التمثيلية يقترب من نهايته، ومكناس لم تعد أرضاً خصبة لإعادة تسويق نفس الوجوه بنفس الوعود.
بوسيف لا يقدم نفسه كـ”منقذ”، لكنه يطرح نفسه كبديل يحمل مزيجاً من التكوين الأكاديمي والتجربة الحزبية والنضال التنظيمي داخل حزب الاستقلال. مسار يمتد لسنوات داخل هياكل الحزب، وعضوية في مجلسه الوطني، واشتغال فكري يلامس عمق المرجعية الاستقلالية، كلها عناصر توظف اليوم في معركة عنوانها الأبرز: استرجاع الثقة المفقودة بين المواطن والسياسة.
الرسالة التي يلتقطها الشارع المكناسي اليوم لم تعد معقدة: لا مزيد من الوجوه التي تحضر كل خمس سنوات وتختفي بعدها، ولا حاجة لخطابات مستهلكة تُعاد صياغتها مع كل استحقاق. هناك طلب واضح على كفاءات قادرة على الفعل، لا فقط على الكلام، وعلى تمثيلية تترجم انتظارات الساكنة داخل قبة البرلمان بدل الاكتفاء بتدبير التوازنات الحزبية الضيقة.
جرأة ترشيح بوسيف لا تكمن فقط في كونه أول تجربة انتخابية له، بل في توقيتها أيضاً، إذ يأتي في لحظة تآكل فيها منسوب الثقة في عدد من المنتخبين، وارتفعت فيها أصوات تطالب بضخ دماء جديدة في شرايين المؤسسات. وهو ما يضعه مباشرة في مواجهة غير متكافئة مع منافسين يملكون خبرة انتخابية وشبكات جاهزة، لكنهم في المقابل يواجهون سؤال الحصيلة.
المعركة في مكناس لم تعد تقنية، بل سياسية بامتياز: هل يختار الناخب إعادة نفس السيناريو، أم يمنح فرصة لوجه جديد يحمل رهان التجديد؟ بين “الخبرة التي لم تُقنع” و”التجديد الذي لم يُجرَّب بعد”، تتحدد ملامح واحدة من أكثر الدوائر إثارة في انتخابات 2026.
في النهاية، قد لا يكون بوسيف مرشحاً عادياً، بقدر ما أصبح رمزاً لحالة أوسع: مغرب يبحث عن نخب جديدة، وعن سياسة أقل استهلاكاً وأكثر صدقاً. ومكناس، هذه المرة، أمام اختبار حقيقي… إما أن تكسر الحلقة، أو تواصل الدوران داخلها.


