الأحداث الوطنية|أقلام حرة

تفويت الديون المتعثرة وإعادة التوازن التعاقدي في ضوء مداخلة الدكتور محمد

IMG-20260415-WA0017

بقلم: حبيل رشيد

في لحظة مفصلية من مسار تحديث المنظومة المالية بالمغرب، يبرز مشروع تفويت الديون البنكية المتعثرة كأحد أكثر الأوراش إثارة للنقاش، نظراً لتقاطع أبعاده القانونية والاقتصادية، وتداخله مع رهانات الثقة والاستقرار داخل السوق… وقد جاء تناول هذا الموضوع ضمن حلقة برنامج الاقتصاد في أسبوع على القناة المغربية الإخبارية، في إطار معالجة إعلامية اتسمت بالدقة والاتزان، حيث أدارت الأستاذة مقدمة البرنامج الحوار بأسلوب احترافي أتاح تفكيك الإشكاليات وطرح الأسئلة الجوهرية.

وقد شكلت مداخلة الدكتور محمد حركات، أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي والحكامة الشاملة بجامعة محمد الخامس، مدخلاً تحليلياً عميقاً لهذا الورش الإصلاحي، إذ انطلقت من معطيات رقمية تعكس حجم التحدي البنيوي الذي تواجهه المنظومة البنكية، حيث بلغت الديون غير المنتجة ما يقارب 100 مليار درهم سنة 2025، بعد أن كانت في حدود 88.5 مليار درهم سنة 2021، لترتفع إلى أكثر من 134.6 مليار درهم سنة 2024… وهي مؤشرات تؤكد، دون ريب، وجود اختلال في آليات تقييم المخاطر، وفي نجاعة مساطر التحصيل.

ومن الثابت أن هذه الوضعية تضع الأبناك أمام إكراه مزدوج: فمن جهة، ضرورة الحفاظ على توازناتها المالية وفقاً لمتطلبات الملاءة والسيولة، ومن جهة ثانية، الاستمرار في أداء وظيفتها الجوهرية المتمثلة في تمويل الاقتصاد الوطني… وبالتالي، فإن التوجه نحو إحداث سوق ثانوية لتفويت هذه الديون، كما أعلنته وزارة الاقتصاد والمالية، يندرج ضمن مقاربة تهدف إلى إعادة هيكلة المحافظ البنكية، وتخفيف العبء المرتبط بالقروض المتعثرة، بما يسمح بإعادة توجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج.

غير أن هذا التوجه، رغم وجاهته الاقتصادية، يثير إشكالات قانونية دقيقة تتعلق بطبيعة العلاقة التعاقدية وحدود نقلها… حيث إن مداخلة الدكتور محمد حركات وقفت عند نقطة محورية، تتمثل في إمكانية تفويت الدين دون إشعار المدين، وهو ما يشكل، من زاوية قانونية، مساساً بمبدأ الرضائية الذي يؤطر العلاقات التعاقدية، كما هو منصوص عليه في قانون الالتزامات والعقود، لاسيما الفصلين 192 و195، اللذين يكرسان ضرورة توافر إرادة الأطراف في إنشاء الالتزامات أو نقلها.

ومن ثم، فإن الإشكال لا يتعلق فقط بآلية تقنية لتدبير الديون، وإنما يمتد إلى إعادة تعريف مراكز قانونية قائمة، وهو ما يفرض التساؤل حول مدى دستورية هذا التوجه، في ضوء مبدأ الأمن القانوني، الذي يعد من المبادئ المؤطرة لدولة القانون… حيث إن نقل الدين إلى دائن جديد دون موافقة المدين قد يغير من شروط التعاقد، ومن طبيعة العلاقة، ومن أساليب التحصيل، وهو ما قد يخل بالتوازن العقدي.

وعلاوة على ذلك، فإن غياب دراسة أثر مفصلة، كما أشار المتدخل، يطرح إشكالاً منهجياً يضعف من جودة التشريع… إذ إن المذكرة التقديمية لم تتضمن تحليلاً دقيقاً للمخاطر، ولا تصوراً واضحاً للآثار الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يتعارض مع متطلبات الحكامة التشريعية التي تقتضي استباق النتائج وتقييم الانعكاسات.

وفي هذا السياق، يبرز سؤال التقييم المالي للديون موضوع التفويت… هل سيتم اعتماد القيمة الاسمية، أم القيمة السوقية؟… وهل ستخضع هذه العمليات لمنطق العرض والطلب داخل سوق ثانوية؟… وإذا كان الأمر كذلك، فإن احتمال بيع هذه الديون بأثمان منخفضة يظل وارداً، وهو ما قد يؤدي إلى نقل خسائر الأبناك إلى أطراف أخرى، أو إعادة توزيعها بشكل غير متوازن داخل الاقتصاد.

ومن زاوية العدالة الاقتصادية، يكتسي التساؤل الذي طرحه الدكتور محمد حركات أهمية خاصة، حينما تساءل عن طبيعة الفئات المدينة… حيث تشير المعطيات إلى أن قطاعات الصناعة والتجارة تستحوذ على الحصة الأكبر من هذه الديون، في حين يأتي السكن في مرتبة متأخرة، كما أن استهلاك الأسر يحتل المرتبة الثالثة… وهو ما يطرح إشكالية توزيع المخاطر بين الفاعلين الاقتصاديين.

وقد عزز هذا الطرح بالإشارة إلى أن أكثر من 53 ألف مقاولة تأثرت بالإفلاس خلال جائحة كوفيد-19، خاصة المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي تعاني من محدودية الولوج إلى التمويل، ومن ضعف آليات المواكبة… وهو ما يجعل من تفويت ديونها موضوعاً بالغ الحساسية، إذ قد يؤدي إلى تعميق هشاشتها بدل معالجتها.

ومن جهة أخرى، فإن التوجه نحو تفويت هذه الديون لفائدة شركات متخصصة يعكس ما يمكن توصيفه بـ”الخوصصة الوظيفية” لعملية التحصيل، حيث تنتقل هذه المهمة من الأبناك إلى فاعلين خواص يمتلكون خبرة تقنية في هذا المجال… غير أن هذا التحول يطرح تساؤلات حول الإطار الرقابي، وحدود تدخل هذه الشركات، ومدى احترامها للضمانات القانونية المقررة للمدينين.

وفي امتداد لهذا النقاش، تناولت مداخلة الدكتور محمد حركات مستجدات قانون الشيك، في إطار تعديل مدونة التجارة، حيث أبرز أن هذا الإصلاح يعكس تحولاً في الفلسفة الجنائية، من منطق الزجر إلى منطق التسوية… وقد استند في ذلك إلى معطى إحصائي دال، يتمثل في أن عدد المتابعين بسبب الشيكات بدون رصيد بلغ حوالي 59 ألف شخص، وهو رقم يعكس اختلالاً في التناسب بين الفعل والعقوبة.

ومن ثم، فإن تخفيض الغرامة التصالحية من 25% إلى 2% يمثل إجراءً يروم تشجيع الأداء، وتيسير التسوية، وتقليص العبء على القضاء… كما أنه يعزز سيولة المعاملات، خاصة بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة التي تعتمد على الشيك كأداة رئيسية في التداول المالي.

غير أن هذا الإصلاح، كما أكد المتدخل، يظل رهيناً بترسيخ الثقة، باعتبار أن الشيك، في جوهره، أداة ائتمانية تقوم على الثقة بين الأطراف… وبالتالي، فإن أي خلل في هذه الثقة قد يؤدي إلى تراجع استعماله، أو إلى تشديد الشروط المرتبطة به.

وفي سياق أوسع، أشار الدكتور محمد حركات إلى أن تحديث المنظومة المالية لا يمكن أن يتحقق دون إدماج البعد الرقمي، حيث إن نسبة مهمة من المواطنين لا تتوفر على وسائل تواصل رقمية فعالة، وهو ما يحد من نجاعة الإجراءات، خاصة تلك المتعلقة بالتبليغ والإشعار… وهو ما يفرض ضرورة اعتماد سياسة عمومية شمولية تجمع بين الإصلاح القانوني والتأهيل الرقمي.

وعند ربط هذه الإصلاحات بالمؤشرات الاقتصادية العامة، يتضح أن الاقتصاد المغربي يعرف دينامية إيجابية في عدة قطاعات، من بينها السياحة، التي سجلت حوالي 20 مليون سائح سنة 2025، ومداخيل بلغت 138 مليار درهم، إضافة إلى نمو النقل الجوي بنسبة 14.7%، وتطور قطاع الاتصالات بنسبة نفاذ تفوق 160%… كما أن الموانئ المغربية تحتل مواقع متقدمة في مؤشرات الربط البحري.

وبالتالي، فإن هذه الإصلاحات المالية تندرج ضمن رؤية أشمل تهدف إلى تعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني، وتحسين مناخ الأعمال، وتقوية تنافسيته… غير أن نجاحها يظل رهيناً بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات النجاعة الاقتصادية وضمانات الحماية القانونية.

إن مداخلة الدكتور محمد حركات، بما تضمنته من معطيات دقيقة وتساؤلات جوهرية، تعكس أهمية اعتماد مقاربة نقدية في مواكبة الإصلاحات، تقوم على تحليل الأثر، واستحضار البعد الاجتماعي، وضمان احترام المبادئ القانونية… حيث إن بناء منظومة مالية قوية لا يتحقق فقط عبر تحرير السيولة، وإنما عبر ترسيخ الثقة، وضمان العدالة، وتحقيق التوازن بين مختلف الفاعلين داخل الاقتصاد.