بقلم/ سيداتي بيدا
لم تعد القضية القبائلية مجرد ملف سياسي محصور داخل الحدود الجزائرية، بل بدأت تتخذ أبعاداً دولية متسارعة تفرض نفسها على أجندات النقاش الجيوسياسي. وجاءت مشاركة وفد ما يُعرف بـ”جمهورية القبائل” في المنتدى العالمي الأول لمناهضة الإمبريالية والاستعمار الجديد، المنعقد في موسكو، لتؤكد أن هذا الملف دخل مرحلة جديدة عنوانها البحث عن الشرعية الدولية وكسر العزلة السياسية.
المنتدى، الذي جمع نحو مائة منظمة وحزب سياسي من أكثر من ثمانين دولة، لم يكن مجرد مناسبة بروتوكولية لتبادل الخطابات والشعارات، بل شكل منصة سياسية ذات رمزية كبيرة، خصوصاً أن الدعوة الموجهة للوفد القبائلي جاءت من حزب “روسيا العادلة”، أحد أبرز الأحزاب المؤثرة في المشهد السياسي الروسي وثالث قوة سياسية داخل مجلس الدوما.
وتتجاوز أهمية هذه المشاركة بعدها الرمزي، إذ تعكس نجاح الحركة القبائلية في توسيع شبكة علاقاتها الخارجية واختراق فضاءات دبلوماسية كانت إلى وقت قريب بعيدة عن متناولها. فالحركات الانفصالية أو المطالبة بالحكم الذاتي تدرك جيداً أن معاركها لا تُحسم فقط داخل حدود الدول، بل تُخاض أيضاً في ساحات الاعتراف السياسي والتأثير الدولي.
ومن منظور استراتيجي، تحمل هذه الخطوة رسائل متعددة الاتجاهات. أولها أن الحركة تسعى إلى تقديم نفسها كفاعل سياسي قادر على التواصل مع قوى دولية مؤثرة، وثانيها أنها تحاول نقل النقاش من الإطار الأمني الداخلي إلى فضاء الحقوق السياسية وحق تقرير المصير، وهو تحول من شأنه أن يربك الرواية الرسمية الجزائرية التي تصنف القضية ضمن الملفات المرتبطة بالوحدة الوطنية والسيادة الداخلية.
في المقابل، تنظر السلطات الجزائرية إلى أي تحرك خارجي للحركة القبائلية باعتباره محاولة لتدويل قضية تعتبرها شأناً وطنياً خالصاً. لذلك فإن ظهور ممثلي الحركة في محافل دولية بهذا الحجم يضيف تحدياً جديداً أمام الدبلوماسية الجزائرية التي تجد نفسها مطالبة بمواجهة خطاب يتجاوز الحدود التقليدية للصراع.
ومهما اختلفت المواقف بشأن مشروعية الطرح القبائلي أو أهدافه السياسية، فإن المؤكد أن التطورات الأخيرة تكشف عن مرحلة جديدة من الصراع السياسي، عنوانها الانتقال من المواجهة المحلية إلى معركة النفوذ والاعتراف على الساحة الدولية.
وفي عالم أصبحت فيه الشرعية السياسية تُصنع أحياناً في المؤتمرات الدولية بقدر ما تُصنع داخل حدود الدول، تبدو موسكو اليوم محطة مفصلية قد تعيد رسم جزء من مستقبل هذا الملف الشائك، وتفتح فصلاً جديداً في العلاقة المعقدة بين الدولة الجزائرية والحركة القبائلية.

