سعيد الطهاري:الأحداث الوطنية
ليست كل صورة تُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد تصميم عابر، فبعض الصور تختزل في تفاصيلها قصة شعبين، ورسالة أمة، وصفعة لكل من يقتات على خطاب الكراهية. وهذه الصورة التي شدت انتباهي وأنا أتصفح موقع “فيسبوك” ليست مجرد احتفاء بتأهل المنتخب المغربي إلى ربع نهائي كأس العالم 2026، بل هي شهادة بليغة على أن روابط الأخوة بين المغرب وفلسطين أعمق من أن تهزها حملات التحريض أو تنال منها الأبواق المأجورة.
ففي الوقت الذي علت فيه أصوات الجماهير المغربية فرحاً بإنجاز “أسود الأطلس”، كانت شوارع رام الله وعدد من المدن الفلسطينية تعيش المشهد نفسه؛ أعلام المغرب ترفرف إلى جانب الأعلام الفلسطينية، وهتافات الفرح تعلو من قلوب رأت في انتصار المغرب انتصاراً لكل عربي حر، ولكل شعب يؤمن بأن الفرح لا تحده الجغرافيا.
إنها رسالة واضحة لكل من يحاول زرع الفتنة بين الشعب المغربي وأشقائه الفلسطينيين: “اللي بغا يفرق بين الأخوة، راه كينفخ فـالرماد.” فالعلاقة بين الشعبين ليست وليدة مباراة كرة قدم، ولا مرتبطة بحدث رياضي عابر، وإنما هي علاقة تاريخية وإنسانية راسخة، تجددها المواقف قبل الكلمات.
ولعل من أبرز تجليات هذا الارتباط ما يقوم به صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، رئيس لجنة القدس، الذي ما فتئ يوجه بإرسال المساعدات الإنسانية والطبية والغذائية إلى الشعب الفلسطيني كلما دعت الحاجة، ويحرص على دعم صمود المقدسيين عبر مشاريع اجتماعية وإنسانية متواصلة، في تجسيد عملي لالتزام المغرب الثابت تجاه القضية الفلسطينية، بعيداً عن الشعارات والمزايدات.
وفي المقابل، لم يتأخر الشعب الفلسطيني في التعبير عن محبته للمغرب في أكثر من مناسبة، وكان احتفاله بالتأهل الأخير خير دليل على أن الوفاء لا يحتاج إلى دعوات، بل يظهر تلقائياً عندما تكون الأخوة صادقة.
ولم تقتصر مظاهر الاحتفال على فلسطين وحدها، بل شهدت العديد من الدول العربية والإفريقية، وحتى مدن في أوروبا وأمريكا، مظاهر فرح واسعة بهذا الإنجاز المغربي. فقد خرجت الجماهير في عدة عواصم وهي ترفع العلم المغربي، معتبرة أن ما حققه “أسود الأطلس” نجاح لكل من يؤمن بالإرادة والعمل والطموح.
أما الذين لم يرق لهم هذا المشهد الإنساني، فاختاروا أن يواصلوا بث خطاب الحقد والتشكيك، وأن يبحثوا عن أي ذريعة لإفساد فرحة الآخرين. وهؤلاء تنطبق عليهم الآية الكريمة: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، لأن النفوس المريضة لا ترى في نجاح الآخرين إلا ما يزعجها، بينما أصحاب القلوب السليمة يفرحون لكل إنجاز يرفع راية أمتهم.
لقد أثبت المنتخب المغربي مرة أخرى أن كرة القدم ليست مجرد منافسة على المستطيل الأخضر، بل قد تتحول إلى لغة للمحبة، وجسر للتقارب بين الشعوب، ورسالة سلام تتجاوز الحدود والخلافات.
ويبقى الدرس الأهم الذي حملته هذه الصورة، والذي سبق أن أشرت إليه في مقالي السابق، أن الأفعال أبلغ من الأقوال، وأن من يحب المغرب حقاً يظهر ذلك في المواقف، لا في الشعارات. فالأخوة الصادقة لا تزعزعها حملات التشويه، ولا تنجح في تفريقها أصوات النشاز.
من الرباط إلى رام الله… فرحة واحدة جمعت شعبين، وستبقى المحبة أقوى من كل محاولات الفتنة، لأن التاريخ يكتبه أصحاب المواقف، لا أصحاب الضجيج.

