الأحداث الوطنية|صحة وطب

رقمنة التبرع بالأعضاء… بين رهانات الثقة وإكراهات الواقع المؤسساتي’

IMG-20260405-WA0106

 

 

بقلم /سيداتي بيدا

 

في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية، لم يعد مقبولًا أن تظل بعض الملفات الحيوية رهينة بطء المساطر وتعقيد الإجراءات. ومن بين هذه الملفات، يبرز موضوع التبرع بالأعضاء بوصفه مجالًا دقيقًا يتقاطع فيه البعد الإنساني مع المتطلبات القانونية والتنظيمية، ما يستدعي مقاربات أكثر صرامة وابتكارًا في آن واحد.
ضمن هذا الأفق، تتجه الجهود المؤسسية نحو بلورة منصة رقمية متكاملة تُعنى بتدبير التصريحات المرتبطة بالتبرع بالأعضاء، في محاولة لإعادة ضبط إيقاع هذا الورش الحساس. وتقوم الفكرة على إرساء نظام معلوماتي قادر على تسجيل المعطيات فور صدورها، مع توفير آلية تحيين لحظي تضمن تتبع أي تغيير أو تراجع بشكل دقيق وآني، في إطار قاعدة بيانات مركزية مؤمّنة.
هذه الخطوة، وإن بدت تقنية في ظاهرها، فإنها تحمل في عمقها رهانات تتجاوز الجانب الإجرائي، لتلامس جوهر الثقة بين المواطن والمؤسسات. فإتاحة الولوج الفوري إلى معطيات محيّنة لفائدة الجهات الصحية المعنية من شأنه أن يقلّص هامش التأخير في الحالات الحرجة، كما يعزز منسوب التنسيق بين مختلف المتدخلين، عبر نظام إشعار إلكتروني يواكب الطوارئ بكفاءة أعلى.
غير أن هذا التوجه لا ينفصل عن سياق أوسع، كشفت فيه الممارسة الميدانية عن اختلالات بنيوية، لعل أبرزها غياب منظومة وطنية موحدة للمعطيات، وهو ما أدى في أحيان متعددة إلى صعوبة التحقق من وضعية المتبرعين في الوقت المناسب. كما أن آليات تبليغ التراجع عن التبرع لم تكن دائمًا بالمرونة المطلوبة، ناهيك عن تعقيد مسار انتقال المعلومات بين الجهات القضائية والمؤسسات الصحية.
من هذا المنطلق، تبدو الرقمنة هنا ضرورة مؤسساتية أكثر منها خيارًا ظرفيًا، إذ يُنتظر أن تُسهم في ترشيد الزمن الإداري وتقليص فجوة التنسيق، مع تعزيز مبادئ الشفافية وحماية المعطيات الشخصية. غير أن نجاح هذا التحول يظل رهينًا بمدى قدرة الفاعلين على تنزيله وفق مقاربة تشاركية، توازن بين النجاعة التقنية والضوابط القانونية والأخلاقية.
إن إعادة ترتيب هذا الملف على أسس رقمية متينة قد تشكل نقطة تحول في تدبير التبرع بالأعضاء، شريطة أن تُواكبها إرادة مؤسساتية ثابتة، ورؤية استراتيجية تستحضر دقة المجال وحساسيته، بما يضمن خدمة الصالح العام في إطار من الانضباط والمسؤولية.