بقلم/ سيداتي بيدا
لم تعد طهران ترد بلغة البيانات الدبلوماسية الباردة، ولم يعد خطابها يترك مساحة واسعة للتأويل. في خضم التصعيد المتواصل، يرفع محمد باقر قاليباف سقف المواجهة برسائل سياسية وعسكرية شديدة اللهجة، مفادها أن إيران لا ترى نفسها أمام معركة يمكن إنهاؤها بضغط عسكري أو تهديد من واشنطن.
الرسالة الإيرانية، كما تظهر في تصريحات قاليباف، موجهة بوضوح إلى دونالد ترامب احشدوا ما شئتم من الطائرات والسفن والصواريخ، لكن لا تبنوا حساباتكم على فرضية أن طهران ستتراجع لمجرد أن ميزان القوة التقليدي يميل لصالحكم.
هذه ليست، وفق الخطاب الإيراني، معركة لإطلاق النار ثم البحث سريعاً عن مخرج، بل مواجهة تقول طهران إنها مستعدة لتحمل كلفتها ومواصلة الضغط المضاد. وقد سبق لقاليباف أن توعد بأن أي هجوم جديد على إيران سيقابل برد أسرع وأثقل وأكثر إيلاماً.
لكن العقدة الأكثر حساسية تبقى في مكان واحد مضيق هرمز.
فالمضيق ليس مجرد ممر بحري عابر، وإنما نقطة اختناق استراتيجية تمر عبرها كميات ضخمة من إمدادات الطاقة العالمية. ولذلك فإن تحويله إلى ساحة مواجهة يجعل أي تصعيد هناك يتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة، ويفتح الباب أمام تداعيات اقتصادية وأمنية تمتد إلى أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية.
وتقول طهران إن لها اليد العليا في المضيق، بينما تقدم واشنطن رواية مختلفة بشأن قدرتها على إعادة فتحه وتأمين الملاحة. هذا التناقض وحده يكشف حجم المعركة على النفوذ والردع، لا على المياه وحدها.
وفي هذا السياق، تبدو الرسالة الإيرانية أكثر صلابة
لا تراهنوا على أن التفوق العسكري يمنحكم تفويضاً مفتوحاً لفرض شروطكم.
فإيران تمتلك، بحسب ما تعلن طهران، أدوات للرد تتجاوز المواجهة المباشرة، وتمتد إلى شبكة واسعة من الحسابات الإقليمية والاستراتيجية. ولذلك فإن أي محاولة لتحويل الحرب إلى معادلة بسيطة عنوانها «قوة تضرب ودولة تستسلم» تصطدم بتعقيدات ميدانية وسياسية واقتصادية أكبر بكثير.
ترامب يستطيع رفع مستوى الضغط، وإيران تستطيع رفع كلفة المواجهة، وبين الطرفين يقف هرمز كأحد أخطر مفاتيح الصراع.
والأخطر أن الحروب لا تقاس فقط بما يطلق في السماء، بل بما يمكن أن يحدث بعد ذلك.
فإذا كان البيت الأبيض يعتقد أن الضغط سيجبر طهران على الانحناء، فإن قاليباف يرسل الرسالة المعاكسة تماماً إيران لن ترفع الراية البيضاء تحت التهديد، ومن يفتح أبواب التصعيد لا يملك وحده مفاتيح إغلاقها.

