الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

من معاش 1200 درهم إلى فاتورة الكهرباء.. لقجع يضع «كرامة العيش» في قلب المعركة السياسية

IMG-20260905-WA0026

 

سعيد الطهاري :الأحداث الوطنية

لم يكن فوزي لقجع، وهو يتحدث في اللقاء التواصلي الذي احتضنته مدينة فاس، بصدد إطلاق وعود انتخابية عابرة أو توزيع شعارات جاهزة للاستهلاك السياسي، بقدر ما كان يرسم ملامح خطاب اجتماعي جديد، عنوانه الكبير: لا معنى لأي سياسة عمومية إذا لم يشعر المواطن بأثرها المباشر في حياته اليومية.
لقجع، الذي عرفه المغاربة لسنوات طويلة مسؤولاً تقنياً ومالياً ورئيساً للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ظهر هذه المرة بوجه سياسي مختلف؛ سياسي يتحدث عن معاش المتقاعد، وعن الأرملة التي تفقد نصف دخل أسرتها بمجرد وفاة زوجها، وعن الأسرة البسيطة التي تؤرقها فاتورة الكهرباء.
إنها تفاصيل قد تبدو بسيطة في الخطاب السياسي، لكنها في الحقيقة تمثل جوهر الحياة اليومية لملايين المغاربة.
«عيب» أن يتقاعد المغربي بـ1200 درهم
من بين أكثر المقاطع قوة في كلمة لقجع، حديثه الصريح عن وضعية المتقاعدين.
الرجل لم يتحدث بلغة الأرقام الجافة، بل اختار لغة أخلاقية مباشرة حين اعتبر أنه من غير المقبول أن يجد مغربي، أفنى سنوات طويلة من عمره في العمل، نفسه بعد التقاعد أمام معاش لا يتجاوز 1200 أو 1300 أو 1400 درهم، بل وحتى 2000 درهم.
والرسالة هنا واضحة: كيف يمكن لمتقاعد أن يعيش بكرامة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، إذا كان دخله الشهري لا يكفي حتى لتغطية الحاجيات الأساسية؟
لقجع وضع سقفاً واضحاً للنقاش، حين تحدث عن ضرورة العمل تدريجياً من أجل رفع معاشات الفئات ذات الدخل الضعيف وتقريبها من مستوى يضمن الحد الأدنى من العيش الكريم، مع التأكيد على ضرورة توفير آليات التمويل وعدم الاكتفاء بالشعارات.
وهنا بالضبط يختلف الخطاب عن مجرد المطالبة بزيادة المعاشات.
فالرجل يتحدث عن معادلة سياسية صعبة: كيف نرفع معاشات المتقاعدين دون أن نترك صناديق التقاعد تنهار؟ وكيف يمكن إصلاح منظومة تعرف اختلالات مالية دون أن يكون الموظف والأجير هما من يدفعان الفاتورة؟
إنها معادلة تحتاج، كما قال، إلى إصلاح، لكن إصلاحاً لا يتم على حساب الطبقة الشغيلة.
الأرملة.. لماذا يفقد البيت نصف دخله بينما تبقى مصاريفه كاملة؟
ربما كانت أقوى رسالة اجتماعية في كلمة لقجع هي تلك المتعلقة بالأرامل.
بمنطق بسيط لكنه شديد العمق، طرح الرجل سؤالاً يبدو أن السياسات العمومية لم تتوقف عنده بما يكفي: عندما يموت الزوج، هل تنخفض مصاريف الأسرة إلى النصف؟
الأطفال يستمرون في الدراسة، والبيت يحتاج إلى الإنفاق، وفواتير الماء والكهرباء لا تتوقف، والكراء أو أقساط القروض تستمر، بل إن الأسرة قد تواجه بعد وفاة معيلها مصاريف إضافية وظروفاً أكثر صعوبة.
ومع ذلك، تجد الأرملة نفسها، في عدد من الحالات، أمام انخفاض كبير في الدخل الذي كانت تعتمد عليه الأسرة.
هذا هو التناقض الذي توقف عنده لقجع، معتبراً أنه من غير المنطقي أن تستمر الأعباء نفسها بينما يتم تخفيض دخل الأسرة بشكل كبير لمجرد وفاة الزوج.
ومن هنا طرح تصوراً يقوم على إعادة النظر في هذا الوضع، بما يسمح للأرملة بالحفاظ على دخل يمكنها من مواجهة أعباء الحياة وصون كرامتها وكرامة أبنائها.
إنه طرح يتجاوز لغة الإعانات الاجتماعية إلى الحديث عن العدالة الاجتماعية داخل الأسرة.
حتى فاتورة الكهرباء أصبحت قضية سياسية
ولأن القدرة الشرائية لا تختزل فقط في الأجور والمعاشات، انتقل لقجع إلى واحدة من التفاصيل التي تثقل ميزانية الأسر: فاتورة الكهرباء.
المقترح الذي تم الحديث عنه يهم الأسر ذات الاستهلاك المحدود، خصوصاً بالعالم القروي، حيث يرى أن الأسر التي لا يتجاوز استهلاكها مستوى معيناً لا ينبغي أن تتحمل عبئاً إضافياً.
الفكرة في جوهرها بسيطة: الدعم يجب أن يذهب إلى من يحتاجه فعلاً.
فبدل الحديث عن دعم عام قد يستفيد منه الغني والفقير بالقدر نفسه، يتم التفكير في آليات تستهدف الأسر محدودة الاستهلاك، أي تلك التي لا تستهلك الكهرباء إلا في حدود حاجياتها الأساسية.
وهنا يظهر جانب آخر في خطاب لقجع: الانتقال من منطق الدعم الشامل إلى منطق الدعم الاجتماعي الموجه.
لقجع يتحدث بلغة المواطن لا بلغة الملفات
المثير في هذه الخرجة السياسية ليس فقط طبيعة المقترحات، وإنما اللغة التي اختارها لقجع.
لم يتحدث عن مؤشرات ماكرو اقتصادية، ولا عن نسب النمو والعجز والمديونية، رغم أن الرجل قادم من عالم المالية والميزانية.
اختار بدلاً من ذلك الحديث عن أرقام يفهمها المواطن مباشرة: 1200 درهم، 1500 درهم، 2000 درهم، فاتورة الكهرباء، معاش الأرملة، مصاريف الأبناء.
وهنا تكمن قوة الخطاب.
فالسياسة، في نهاية المطاف، لا تقاس فقط بحجم المشاريع الكبرى ولا بأرقام الاستثمارات، وإنما أيضاً بالسؤال البسيط الذي يطرحه المواطن كل نهاية شهر: هل تحسن وضعي؟ وهل أصبحت قادراً على العيش بكرامة؟
من المسؤول التقني إلى السياسي الذي يقدم «وصفة»
واضح أن فوزي لقجع يريد أن يقدم نفسه في المرحلة المقبلة بصورة مختلفة.
لم يعد الأمر يتعلق فقط بالمسؤول التقني الذي يدبر الميزانية أو الرجل الذي ارتبط اسمه بنجاحات كرة القدم المغربية، بل برزت ملامح شخصية سياسية تريد الدخول إلى قلب الملفات الاجتماعية.
وما يميز هذه الشخصية أنها تحاول تقديم نفسها بمنطق مختلف: لا وعود بدون أرقام، ولا مشاريع بدون تمويل، ولا شعارات دون معرفة كلفتها المالية.
فلقجع يعرف جيداً أن رفع معاشات المتقاعدين، وتحسين وضعية الأرامل، ودعم فواتير الكهرباء، كلها إجراءات تحتاج إلى مليارات الدراهم.
ولهذا فإن الرهان الحقيقي ليس في الإعلان عن هذه المقترحات، بل في الإجابة عن السؤال الأصعب: من أين سيأتي التمويل؟
وهنا سيكون الامتحان الحقيقي لهذا الخطاب.
السياسة تبدأ من جيب المواطن
لقد حملت كلمة لقجع بفاس رسالة سياسية واضحة مفادها أن المعركة المقبلة لن تحسم فقط بالشعارات الكبرى، وإنما بالقضايا التي تمس الحياة اليومية للمواطن.
المتقاعد الذي ينتظر معاشه نهاية الشهر، والأرملة التي تحاول الحفاظ على توازن أسرتها، والأسرة القروية التي تحسب استهلاك الكهرباء بالدرهم، هؤلاء هم في النهاية من يمنحون للسياسة معناها الحقيقي.
وقد يكون أهم ما في خطاب لقجع أنه حاول إعادة السياسة إلى هذه التفاصيل.
فبين الحديث عن إصلاح التقاعد، وإنصاف الأرامل، ودعم الأسر محدودة الاستهلاك للكهرباء، تتشكل ملامح خطاب اجتماعي يقوم على فكرة واحدة:
المواطن لا يحتاج فقط إلى من يخبره بأن الاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح، بل يحتاج إلى أن يشعر بأن حياته هو أيضاً تسير في الاتجاه الصحيح.
وهنا بالضبط تبدأ السياسة الحقيقية.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة: هل تتحول هذه الأفكار إلى برنامج سياسي متكامل وممول وقابل للتنفيذ، أم أنها ستبقى مجرد عناوين جذابة في موسم انتخابي؟
ذلك هو التحدي الحقيقي أمام فوزي لقجع وحزبه.
أما الرسالة التي خرج بها الرجل من فاس، فهي واضحة: الكرامة الاجتماعية لم تعد ملفاً هامشياً في الخطاب السياسي، بل أصبحت عنواناً لمعركة سياسية جديدة تبدأ من جيب المواطن وتنتهي عند كرامته.