الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

حين تُسقط اللوائح من المظلات: هل تتحول اللائحة الجهوية للنساء في سوس ماسة إلى عنوان لإقصاء المناضلات؟

IMG-20260827-WA0048

 

 

في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه اللائحة الجهوية النسائية مدخلاً لترسيخ التمثيلية السياسية للمرأة وتعزيز حضور الكفاءات المحلية داخل المؤسسات المنتخبة، يثار بجهة سوس ماسة نقاش حاد حول طريقة تدبير الترشيحات داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، وسط انتقادات متصاعدة لما يعتبره عدد من الأصوات المحلية إقصاءً للمناضلات والفعاليات اللواتي راكمن تجربة ميدانية وسياسية طويلة، مقابل الدفع بأسماء لا تنتمي بالضرورة إلى النسيج السياسي والاجتماعي للجهة. القضية، في جوهرها، لا تتعلق فقط باسم مرشحة أو بمن ستتولى قيادة اللائحة، وإنما تطرح سؤالاً أكبر حول معنى السياسة حين تتحول التزكيات إلى امتيازات تمنح للقرب والنفوذ والقدرة المالية بدل أن تكون مكافأة على النضال والعمل الميداني والارتباط الحقيقي بقضايا المواطنين. فاللائحة الجهوية النسائية ليست مجرد مقاعد انتخابية توزع وفق حسابات ضيقة، وإنما آلية يفترض أن تفتح المجال أمام نساء قادرات على تمثيل جهة كاملة بما تحمله من انتظارات وتحديات وتطلعات. ومن هنا، فإن التعامل معها بمنطق ملئها بالعائلات والمقربات وذوات المال والنفوذ، إن صحّت هذه الانتقادات، لن يؤدي إلا إلى إفراغها من مضمونها السياسي والديمقراطي، وتحويلها من وسيلة للتمكين السياسي للمرأة إلى أداة لإعادة إنتاج نفس الوجوه والمواقع وموازين القوة. وفي سوس ماسة، يبدو أن السؤال بات أكثر إلحاحاً: لماذا يتم البحث عن أسماء خارج دائرة المناضلات والنساء اللواتي يعرفن تفاصيل الجهة من الداخل؟ ولماذا لا تكون الأولوية لمن راكمت تجربة وسط المواطنين، وشاركت في تدبير الشأن المحلي، وخبرت مشاكل الأحياء والجماعات والقرى، وتعرف جيداً ما تعنيه البطالة والهشاشة والنقل والصحة والتعليم والتنمية المجالية؟ إن الديمقراطية لا تقاس بعدد النساء اللواتي توضع أسماؤهن في اللوائح، بل بمدى استقلالية القرار السياسي ونزاهة الاختيار واحترام إرادة المناضلين والناخبين. وعندما تُقصى مناضلات راكمن سنوات من العمل السياسي والجمعوي، ويُستعاض عنهن بأسماء يتم تقديمها من فوق، فإن الرسالة التي تصل إلى القاعدة ليست رسالة تمكين، وإنما رسالة إحباط: أن النضال وحده لا يكفي، وأن القرب من مراكز القرار قد يصبح أقصر طريق إلى التزكية. وهذا بالضبط ما يهدد بإضعاف الثقة في العمل السياسي ويدفع بالكثير من المواطنين، وخاصة الشباب والنساء، إلى العزوف واللامبالاة. وفي خضم هذا الجدل، يبرز اسم رشيدة بوهيا، نائبة رئيس جماعة إنزكان وفاعلة سياسية وجمعوية، باعتبارها، في نظر عدد من الأصوات التي تنتقد طريقة اختيار المرشحات، نموذجاً لامرأة راكمت تجربة ميدانية وتعرف تضاريس الجهة ومشاكل ساكنتها. كما أن انتماءها إلى عائلة لها حضور في العمل السياسي المحلي، وكونها ابنة المناضل الراحل إيدر بوهيا، يمنح مسارها امتداداً داخل المشهد السياسي المحلي، غير أن الأهم من النسب هو ما راكمته هي شخصياً من تجربة وحضور وعمل ميداني. ولذلك يرى منتقدو قرار التزكية أن رشيدة بوهيا كانت الأحق بقيادة اللائحة الجهوية النسائية، ليس لأنها ابنة مناضل أو تنتمي إلى عائلة معروفة، وإنما لأنها، بحسب هذا الطرح، امرأة من صلب الجهة، عايشت قضاياها واشتغلت داخل مؤسساتها واقتربت من المواطنين ومشاكلهم اليومية. وفي المقابل، فإن الدفع بزكية الدريوش، القادمة من خارج النسيج السياسي المحلي لسوس ماسة، لقيادة اللائحة، يفتح الباب أمام نقاش مشروع حول معايير الاختيار: هل الأولوية للانتماء الجغرافي والسياسي والنضال الميداني؟ أم أن الحسابات الانتخابية والتنظيمية والمالية لها الكلمة الفصل؟ لا أحد يجادل في حق أي مواطنة في الترشح، ولا ينبغي أن تتحول المنافسة السياسية إلى محاكمة للأشخاص، لكن من حق الرأي العام أن يسأل عن المعايير التي تحكم اختيار المرشحين، ومن حق المناضلين أن يعرفوا لماذا يتم تفضيل اسم على آخر، ومن حق الناخبين أن يطالبوا بتمثيلية تعكس حقيقة الجهة لا مجرد قرار صادر من مكاتب مغلقة. فالسياسة التي لا تسمع لصوت قواعدها تتحول مع الوقت إلى سياسة بلا قواعد، والسياسة التي لا تحترم المناضلات اللواتي اشتغلن في الميدان لسنوات قد تجد نفسها أمام قاعدة محبطة وناخبين فقدوا الثقة في جدوى المشاركة. إن الصورة التي تختزل المشهد في مرشحة تهبط بالمظلة فوق جهة سوس ماسة ليست مجرد صورة ساخرة، بل تحمل، من وجهة نظر منتقدي القرار، رسالة سياسية واضحة: ماذا تبقى من معنى العمل الميداني إذا كان القرار النهائي يمكن أن يأتي من خارج الجهة ويتجاوز مناضلاتها وكفاءاتها؟ وماذا سيكون مصير النساء اللواتي يشتغلن لسنوات داخل التنظيمات والأحزاب والجمعيات، إذا وجدن أنفسهن في كل محطة انتخابية خارج الحسابات؟ إن أخطر ما يمكن أن يصيب العمل السياسي ليس خسارة مقعد انتخابي، وإنما خسارة الإنسان ثقته في السياسة. وعندما يشعر المواطن بأن التزكية تُمنح بناءً على المال أو النفوذ أو القرب، وأن الكفاءة والنضال والارتباط بالمجتمع تأتي في مرتبة ثانية، فإن العزوف يصبح نتيجة طبيعية وليس مفاجأة. لذلك، فإن النقاش الدائر في سوس ماسة يجب ألا يُختزل في صراع أسماء، بل ينبغي أن يتحول إلى نقاش حول أخلاق السياسة ومعايير التزكية وحدود الديمقراطية الداخلية للأحزاب. فالسياسة، قبل أن تكون مواقع ومقاعد ومناصب، هي مسؤولية وأخلاق وخدمة عمومية. وإذا فقدت السياسة بعدها الأخلاقي، فما الذي يبقى منها؟ سوس ماسة غنية بكفاءاتها النسائية، وبمناضلاتها وفاعلاتها الجمعويات والمنتخبات اللواتي يعرفن الجهة شبراً شبراً، ويعرفن هموم ساكنتها بعيداً عن الصور الانتخابية الموسمية. ومن حق هؤلاء النساء أن يُسمع صوتهن، وأن تُقاس أهليتهن بما قدمنه وما راكمنه من تجربة، لا بمدى قربهن من مراكز القرار. أما إذا أصبحت اللوائح الجهوية تُسقط من المظلات فوق رؤوس الناخبين، بينما تُقصى المناضلات من الأرض، فإن الخاسر في النهاية لن يكون اسماً أو حزباً، بل ستكون الديمقراطية نفسها. وفي سوس ماسة، يبدو أن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى صناع القرار واضحة: لا يمكن بناء تمثيلية نسائية قوية بإقصاء النساء اللواتي ناضلن من أجلها، ولا يمكن استعادة ثقة المواطن بسياسة لا تنصت إلى صوت الجهة.