الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

زين العابدين.. حين تتحول الملفات العقارية العالقة إلى فرصة لإعادة الاعتبار إلى مكناس

IMG-20260726-WA0062(1)

 

سعيد الطهاري:الأحداث الوطنية

في مدينة تختزن بين أسوارها وفضاءاتها ذاكرة عمرانية وحضارية تمتد لقرون، لا تبدو بعض الملفات العقارية مجرد قضايا إدارية عابرة، بل تتحول مع مرور الزمن إلى جزء من المشهد العام للمدينة، بما يحمله من تعقيدات وتداخلات وحساسيات.

ومن بين هذه الملفات، يبرز ملف العقار المرتبط بعائلة الأكرمين بمنطقة زين العابدين، والذي ظل لسنوات عنواناً لوضعية عمرانية لم تعد تنسجم مع القيمة التاريخية والمجالية للموقع.

غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذا الملف دخل مرحلة مختلفة، بعدما انتقلت المقاربة من الانتظار وتراكم الإشكالات إلى الحوار والتنسيق والتحرك الميداني، في خطوة أعادت النقاش حول مستقبل هذا المجال إلى الواجهة.

من الانتظار إلى المبادرة

ما يميز التحرك الأخير هو أنه لم يأت في سياق معالجة ظرفية لمظهر من مظاهر الفوضى العمرانية فحسب، وإنما يبدو جزءاً من مسار يروم معالجة وضعية ظلت قائمة لسنوات.

وقد تمت العملية بتنسيق بين جماعة مكناس والسلطات المحلية والمصالح الأمنية، وشملت، وفق المعطيات المتداولة حول العملية، إزالة عدد من البنايات والمنشآت التي أصبحت تشكل وضعاً عمرانياً غير ملائم بالموقع، بما يسمح بإعادة ترتيب المجال وتهيئته لمرحلة جديدة.

وهنا تبرز أهمية الدور الذي اضطلع به رئيس جماعة مكناس، السيد عباس الومغاري، الذي اختار التعامل مع الملف بمنطق يقوم على فتح قنوات التواصل والبحث عن أرضية للتوافق، بدل ترك ملف شائك يتناقل بين المساطر والإجراءات دون أفق واضح.

ففي مثل هذه القضايا، لا تكون الجرأة في اتخاذ القرار فقط، وإنما في القدرة على الاقتراب من الملفات المؤجلة، والاستماع إلى مختلف الأطراف، ثم تحويل التفاهمات إلى خطوات عملية على الأرض.

الحوار قبل الحسم

الملفات العقارية ذات الطبيعة الحساسة لا تُحل دائماً بالأدوات الإدارية وحدها. وفي كثير من الحالات، يكون الحوار المباشر مع أصحاب الحقوق والبحث عن صيغ ترضي مختلف الأطراف مدخلاً أكثر نجاعة من استمرار النزاع أو انتظار مسارات طويلة قد تزيد الوضع تعقيداً.

ومن هذه الزاوية، فإن الانفتاح على ورثة عائلة الأكرمين والبحث عن صيغة توافقية بشأن مستقبل العقار يكتسي أهمية خاصة، لأنه يضع التوافق والاحتكام إلى القانون ومصلحة المدينة في صلب المقاربة.

وهذه النقطة تحديداً تمنح التدخل الأخير قيمة تتجاوز عملية الإزالة الميدانية؛ فالمطلوب ليس فقط إزالة مظاهر أصبحت غير مقبولة عمرانياً، وإنما بناء أرضية تسمح بإنهاء الملف على أساس واضح ومستدام.

زين العابدين.. أكثر من مجرد عقار

تكمن خصوصية الموقع أيضاً في محيطه التاريخي، الأمر الذي يجعل التعامل معه مرتبطاً بصورة مكناس كمدينة تراثية وسياحية، وليس فقط باعتبارات التعمير وتدبير العقار.

فكل تدخل في مثل هذه المناطق ينبغي أن يستحضر قيمة المكان وخصوصيته، وأن يجعل من إعادة التأهيل فرصة لإبراز الموروث الحضاري للمدينة، لا مجرد تغيير في استعمال المجال.

ومن هنا، فإن إزالة الوضعيات العمرانية العشوائية يمكن أن تشكل خطوة أولى نحو تصور أكثر شمولاً، يعيد للموقع جماليته ويمنحه وظيفة تتلاءم مع محيطه التاريخي والسياحي.

الومغاري واختبار الملفات الثقيلة

من السهل نسبياً إطلاق مشاريع جديدة تحمل عناوين براقة، لكن الاختبار الحقيقي لأي تدبير محلي يكمن أيضاً في القدرة على الاقتراب من الملفات القديمة التي تراكمت حولها الإشكالات وأصبحت مع مرور الوقت أكثر صعوبة.

وفي هذا السياق، فإن تعامل رئيس جماعة مكناس عباس الومغاري مع ملف زين العابدين يقدم نموذجاً مختلفاً في تدبير الملفات الحساسة: الإنصات، التفاوض، التنسيق مع السلطات، ثم الانتقال إلى الفعل.

وهي مقاربة تستحق التنويه لأنها تجعل المؤسسة المنتخبة طرفاً فاعلاً في صناعة الحل، لا مجرد جهة تنتظر مآل الإشكالات التي خلفتها سنوات سابقة.

والأهم أن هذه المقاربة، إذا استكملت بمخرجات توافقية واضحة ورؤية عمرانية متكاملة، يمكن أن تحول ملفاً ظل لسنوات مصدر إزعاج إلى فرصة لإعادة ترتيب جزء مهم من المجال الحضري بمكناس.

البداية الحقيقية هي ما بعد التحرير

ومع ذلك، فإن العملية الأخيرة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها نهاية للملف، بل باعتبارها بداية لمرحلة أكثر أهمية.

فبعد تحرير المجال، ستظل الأنظار متجهة إلى كيفية تدبير المرحلة المقبلة: ما هو التصور الذي سيعتمد للموقع؟ وكيف سيتم الحفاظ على قيمته التاريخية؟ وكيف يمكن إدماجه في الرؤية السياحية والعمرانية للعاصمة الإسماعيلية؟

أسئلة تجعل نجاح العملية مرتبطاً بما سيأتي بعدها، لا بما تحقق في يومها فقط.

وإذا نجحت الأطراف المعنية في تحويل التوافق إلى رؤية عملية، فإن ملف الأكرمين قد يتحول من واحد من الملفات العقارية الثقيلة في ذاكرة مكناس إلى مثال على أن الحوار حين تقترن به الإرادة والقدرة على التنفيذ يمكن أن يفتح أبواباً ظلت موصدة لسنوات.

وفي النهاية، فإن القيمة الأبرز في هذه الخطوة لا تكمن في إزالة بنايات أو تغيير ملامح عقار، وإنما في إعادة فتح صفحة كان الاعتقاد سائداً بأنها استعصت على الحل.

وهنا تكمن الرسالة الأهم: تدبير المدينة لا يعني فقط بناء الجديد، بل يعني أيضاً امتلاك الشجاعة لإصلاح ما تراكم من ملفات قديمة، وإعادة إدماجها في مستقبل المدينة.

وفي ملف زين العابدين، يبدو أن جماعة مكناس، بقيادة عباس الومغاري، اختارت أخيراً أن تطرق باب الحل من مدخل مختلف: الحوار أولاً، والتوافق حين يكون ممكناً، والفعل حين تنضج شروطه.

وهو مسار يستحق المتابعة، لأن الرهان في النهاية ليس على تسوية ملف عقاري فحسب، وإنما على استعادة جزء من جمالية مكناس وذاكرتها ومكانتها التي تستحقها.