بقلم لحسن محمود.
ما وقع في الدورة الرابعة عشرة لمهرجان تيميزار للفضة بمدينة تيزنيت يفرض طرح أسئلة حقيقية حول تدبير الشق الإعلامي لهذا الموعد الثقافي الذي ينظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله. فحين تحمل تظاهرة وطنية هذا البعد الرمزي والمؤسساتي، فإنها تكون مطالبة أكثر من غيرها باحترام قواعد التنظيم والمهنية وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف وسائل الإعلام.
فبسبب المسؤول عن الاعلام، فقد شهد المهرجان هذه السنة حالة غير مسبوقة من الفوضى الإعلامية، بعدما تم إقصاء عدد من ممثلي الصحافة المهنية، من جرائد ورقية ومواقع إخبارية إلكترونية، في مقابل فتح الباب على مصراعيه أمام عدد كبير من المؤثرين وصناع المحتوى، بينهم قاصرون، تم منحهم شارات الاعتماد الإعلامي، دون احترام للحد الأدنى من الضوابط المهنية والتنظيمية، بالإضافة للاكل و المبيت وتعويض مالي هزيل للجميع.
وهنا لا يتعلق الأمر بمعاداة المؤثرين أو التقليل من دور الإعلام الرقمي الجديد، بل يتعلق أساسا بغياب رؤية واضحة تفرق بين العمل الصحفي المهني وصناعة المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي.
الأكثر إثارة للاستغراب أن بعض الفنانين الذين يقدمون عروضا تمتد لأكثر من ساعة فوق المنصة، يجدون أنفسهم بعد نهاية السهرة محاصرين بعشرات الهواتف النقالة، في مشهد أقرب إلى الفوضى منه إلى العمل الإعلامي المنظم، حيث يفرض عليهم الإدلاء بعشرات التصريحات المتشابهة أمام مؤثرين غير مؤطرين، لا يجمع بينهم سوى البحث عن “البوز” ورفع نسب المشاهدات والمتابعات، بينما يتم نقل كل شيء بشكل مباشر على عشرات الصفحات والحسابات التي تحقق بعضها مداخيل مالية مهمة دون أي ضوابط أو تنظيم.
إن الفنان الذي أنهى عرضه الفني ليس آلة لتوزيع التصريحات، بل إن من حقه أن يحظى بفترة راحة واحترام لإنسانيته ومجهوده الفني. ومن واجب إدارة المهرجان أن توفر الظروف المناسبة للتواصل الإعلامي، وذلك بتنظيم ندوات صحفية أو لقاءات إعلامية للفنانين قبل ساعات من صعودهم إلى المنصة، بما يضمن حق الجميع في الحصول على المعلومة والصورة والتصريح في ظروف مهنية تحفظ كرامة الفنان وتحترم دور الصحفي.
إن المسؤولية فيما وقع لا يمكن تحميلها للمؤثرين وحدهم، بل تتحملها إدارة المهرجان كاملة، لأنها الجهة التي وضعت معايير الاعتماد الإعلامي وسمحت بحدوث هذا الخلل التنظيمي. فالمهرجانات الكبرى عبر العالم لا تترك تدبير الإعلام للاجتهادات الشخصية، وإنما تعتمد دفاتر تحملات واضحة تحدد من هو الصحفي، ومن هو المصور، ومن هو صانع المحتوى، وما هي حقوق وواجبات كل فئة.
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للصحافة المهنية داخل المهرجانات الوطنية، ووضع حد للفوضى التي تسيء إلى صورة هذه التظاهرات الثقافية. فالرعاية السامية مسؤولية قبل أن تكون تشريفا، واحترام المؤسسات يبدأ من احترام التنظيم والمهنية والكفاءات الإعلامية الوطنية.
إن مهرجان تيميزار أكبر من أن يتحول إلى سباق نحو “البوز”، وأكبر من أن تختزل صورته في عشرات الهواتف المرفوعة فوق رؤوس الفنانين. إنه موعد ثقافي يستحق أن يدار بمستوى يليق بمدينة تيزنيت، وبمكانة المهرجان، وبالصحافة المغربية التي لا تزال تؤمن بأن الكلمة المهنية مسؤولية وليست مجرد عدد من المشاهدات والإعجابات.

