الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

التوقيت الميسر حين يتحول الماستر إلى مسرح بلا جمهور

IMG-20260627-WA0054

 

 

 

بقلم/ سيداتي بيدا

 

شهدت هذه السنة انتشار صيغة “التوقيت الميسر” في عدد من الجامعات، برنامج موجّه أصلًا لفئة الموظفين والأجراء لتمكينهم من إكمال دراستهم الجامعية بما يتلاءم مع التزاماتهم المهنية. على الورق، الفكرة سليمة ومطلوبة، وتستجيب لحاجة حقيقية لفئة واسعة من المجتمع. لكن شهادات متعددة من طلاب سابقين في هذا النوع من البرامج، جمعتها هذه المادة، ترسم صورة مختلفة تمامًا عن الوعد الأصلي صورة تستحق أن تُعرض على الجهات الرقابية المختصة قبل أن تُعرض على القارئ.

رسوم بلا مقابل واضح

يروي أحد الطلاب السابقين في برنامج “التوقيت الميسر” أنه دفع، إلى جانب الرسوم الجامعية الرسمية، مبالغ إضافية تحت بند “رسوم إدارية”، دون أن يحصل في المقابل على ما يوضح طبيعة الخدمة التي تغطيها هذه الرسوم. يقول: “لم يكن هناك أي تفصيل أو فاتورة توضح فيما تُصرف هذه المبالغ، وهذا غياب الشفافية بالذات هو ما يجعل الشك مشروعًا.” هذه الملاحظة، وإن كانت شهادة فردية، تطرح سؤالًا عامًا يستحق تدخل مديريات الشؤون المالية بالجامعات: هل تُنشر تفاصيل هذه الرسوم وتُراقَب من جهة مستقلة؟

“التيسير” الذي يستهلك الحياة الخاصة

من المفارقات التي يكررها أكثر من شاهد: “التوقيت الميسر” يحمل في اسمه وعدًا بالمرونة التي تلائم العامل والطالب في آن واحد. لكن التجربة الفعلية، بحسب من خاضوها، أقرب إلى استنزاف يومي بين العمل والدراسة والأسرة. يقول أحد الطلاب: “في النهاية، ليس النظام هو الذي تكيّف مع حياتي، بل حياتي هي التي تكيفت بالقسر مع جدول لا يرحم.” هذا التناقض بين الاسم الترويجي والواقع المعاش هو بالضبط ما تختص هيئات ضمان الجودة الجامعية بفحصه، لو فُتح ملف رسمي حوله.

حين يتقدم الولاء على الكفاءة

أحد أخطر ما تكشفه الشهادات يتعلق بمناخ النقاش داخل القاعة. يصف شاهد سابق جوًا قال إنه شعر فيه أن “النقد الأكاديمي البسيط لمحتوى أو طريقة تقييم كان يُقابَل أحيانًا بانعكاس سلبي ملحوظ على النقطة النهائية”، دون أن يستطيع إثبات ذلك بمعيار موضوعي واضح وهنا تكمن المشكلة الحقيقية في نظر أكثر من طالب: غياب معايير تصحيح وتنقيط شفافة ومعلنة مسبقًا يفتح الباب لتأويلات وشكوك، حتى إن لم تكن كل شكوك صحيحة في كل الحالات. كما يتحدث بعض الطلاب عن مبادرات “تكريمية” لأساتذة تتضمن جمع مساهمات مالية من الطلاب، وهي ممارسة، إن صحّت ولو في حالات معزولة، تستوجب من الجامعات إصدار توجيه واضح يمنعها صراحة، حماية لكل الأطراف الطالب من الحرج، والأستاذ من الشبهة.

هذه النقطة بالذات هي ما يجب أن تنتقل من “حديث متناقَل بين الطلاب” إلى “آلية تظلّم رسمية محصّنة”، لأن غياب قناة شكايات سرية وفعالة هو ما يحوّل الشك المشروع إلى شائعة لا تُحسم.

العلم في مواجهة عداد الساعات

من بين الملاحظات الأكثر تكرارًا: دمج عدة مواد تخصصية في حصة زمنية واحدة، بما يُربك تسلسل المحتوى ويقلّص فرصة الاستيعاب الفعلي، في حين تبقى طريقة احتساب الأجر التدريسي وفق الساعات المُعلنة في البرنامج الرسمي، لا وفق الساعات الفعلية المُدرَّسة على الأرض. هذه الفجوة بين “الساعة المصرَّح بها” و”الساعة المُدرَّسة فعليًا” قابلة للتدقيق الموضوعي عبر جدول الحصص الرسمي مقارنة بسجلات الحضور وهي بالضبط نوع الفحص الذي تستطيع مفتشية وزارة التعليم العالي إجراءه دون أي حاجة لشهادة طالب واحد.

تكافؤ الفرص في الامتحانات: السؤال الذي لا يُطرح علنًا

يتحدث عدد من الطلاب السابقين عن “تسريبات” غير رسمية لمحتوى الامتحانات تتداول بشكل محدود بين بعض الطلاب قبل الموعد الرسمي، دون أن يكون لذلك أي أساس مؤسسي معلن أو دليل وثائقي قاطع يحدد مصدرها بدقة. هذا النوع من الادعاءات، كما تشير شهادات الطلاب أنفسهم، يبقى صعب التحقق منه فرديًا، لكنه بالتراكم حين يتكرر من مصادر مختلفة وفي سياقات متفرقة يصبح مؤشرًا كافيًا لفتح تحقيق داخلي من لجنة مراقبة الامتحانات، لا لإصدار حكم قطعي إعلامي.

شهادة تخرّج أم وثيقة حضور؟

في نهاية المسار، يحصل الطالب على شهادته. لكن أكثر من خرّيج يصف هذه الوثيقة بأنها أقرب إلى “إثبات حضور” من كونها انعكاسًا حقيقيًا لمحتوى علمي متماسك تلقّاه. هذا الوصف، وإن كان قاسيًا، يلخّص جوهر المطلب الذي يرفعه هؤلاء الخريجون: ليس إلغاء “التوقيت الميسر”، بل ضمان أن تستحق شهاداته نفس الثقة التي تحملها شهادات المسار النظامي.

ما الذي يجب أن يحدث الآن؟

هذه الشهادات، الفردية بطبيعتها، لا تشكّل حكمًا قضائيًا على أي جامعة أو شخص بعينه، ولا تسعى لذلك. هدفها الوحيد هو ما تسعى إليه الصحافة الاستقصائية الجادة في كل مكان: تجميع مؤشرات متفرقة لتستدعي تدخل الجهة المخوّلة قانونًا بالتحقيق والمسألة، مديريات الجامعات، مفتشية وزارة التعليم العالي، أو الهيئات الوطنية لضمان الجودة. فتح تحقيق رسمي وشفاف هو الكفيل الوحيد بتحويل هذه الشهادات المتناثرة إلى حقائق مؤكدة أو نفيها بشكل قاطع وفي الحالتين، المستفيد الأول هو الطالب الذي يدفع ثمن تعليمه بماله وبوقته وبثقته.