بقلم/ سيداتي بيدا
منذ اللحظة التي تحولت فيها سبتة ومليلية من مراكز مغربية ذات امتداد تاريخي وتجاري على ضفاف المتوسط إلى مواقع نفوذ أجنبي، بدأت مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية لشمال إفريقيا. لم يكن الأمر مجرد انتقال إداري بسيط، بل كان بداية مسار استعماري طويل ارتبط بتوسع القوى الأوروبية نحو الضفة الجنوبية للمتوسط، في سياق صراع إمبراطوريات كان البحر فيه هو ساحة النفوذ الأولى.
مع بروز القرن الخامس عشر وما تلاه، دخلت المدينتان تدريجياً تحت السيطرة الإسبانية، في سياق توسعي اعتمد على القوة البحرية والتحالفات السياسية واختلال موازين القوى في تلك المرحلة التاريخية. ومنذ ذلك الحين، ترسخت بنيتهما كمواقع عسكرية وإدارية ضمن المشروع الاستعماري الإسباني، قبل أن تتحولا لاحقاً إلى جزء من المنظومة الترابية للدولة الإسبانية الحديثة.
ومع تشكل الدولة القومية في أوروبا، وتعاظم موجات الاستعمار في إفريقيا، أصبحت سبتة ومليلية نقطتين ثابتتين في الجغرافيا الإسبانية، بينما ظل المغرب ينظر إليهما باعتبارهما جزءاً من تراثه التاريخي والترابي الذي لم يُحسم وضعه النهائي. وبعد استقلال المغرب سنة 1956، برز هذا الملف كإحدى أعقد القضايا الثنائية بين الرباط ومدريد، حيث تتداخل فيه الاعتبارات التاريخية مع القانون الدولي والسيادة والواقع الجيوسياسي.
اليوم، تتمتع سبتة ومليلية بوضع إداري خاص داخل إسبانيا، حيث تصنفان كمدينتين ذات حكم ذاتي، تخضعان للسيادة الإسبانية الكاملة من منظور مدريد والاتحاد الأوروبي، وتُطبق فيهما القوانين الإسبانية والأوروبية. غير أن هذا الوضع لا يُنهي الجدل السياسي القائم، إذ ما يزال المغرب يعتبرهما جزءاً من أراضيه المحتلة، بينما تكتفي إسبانيا باعتبارهما “مدينتين إسبانيتين على ضفة المتوسط”.
أما على مستوى السكان، فالوضع أكثر تعقيداً من أي تصنيف أحادي. فالغالبية تحمل الجنسية الإسبانية وتتمتع بكامل الحقوق المدنية والسياسية داخل النظام الإسباني، بما في ذلك التمثيل الانتخابي والخدمات الاجتماعية. في المقابل، يعيش في محيط المدينتين وعلى حدودهما آلاف المغاربة الذين يرتبطون بهما اقتصادياً واجتماعياً عبر العمل اليومي والتجارة والتنقل، ما يجعل الحدود هناك أكثر من مجرد خط سياسي، بل فضاءً معيشياً معقداً يتداخل فيه الإنسان بالسياسة.
على الصعيد الدولي، زادت التوترات الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع تصاعد الأزمات في الشرق الأوسط وما رافقها من إعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى. هذا السياق انعكس على توازنات البحر الأبيض المتوسط حيث أصبح ملف الهجرة والامن الحدودي اكثر حساسية بالنسبة لإسبانيا والاتحاد الاوروبي،في حين عزز المغرب موقعه كشريك استراتيجي في قضايا الامن الإقليمي ومكافحة الهجرة غير النظامية والطاقه.
في هذا الإطار ،شهدت العلاقات المغربيه الإسبانية تحولات ملحوظة اتسمت احيانا بالتوتر واحيانا اخرى بالتقارب البراغماتي خصوصا مع تغير المواقف الدبلوماسية وتزايد التعاون في ملفات الاقتصاد والامن
كما برز الدور الامريكي كعامل غير مباشر في استقرار التوازنات الإقليمية من خلال دعم الشراكات الاستراتيجية في شمال افريقيا واسبانيا ضمن مقاربة أوسع للامن المتوسطي .
وهكذا تبقى سبتة و مليلية اكثر من مجرد مدينتين متنازع عليهما .
أنهما نقطة تقاطع بين التاريخ الاستعماري القديم والتحولات الجيوسياسية الحديثة ،وبين منطق السيادة الصلبة وواقع التداخل الاسباني والاقتصادي الذي يجعل من الحدود هناك مساحة مفتوحة على اسئلة لم تحسم بعد ،لا في السياسة ولا في الذاكرة.

