الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

حين يُختَطَف المال العام: المجلس الإقليمي لورزازات على عتبة فضيحة توظيف الإعلام سياسياً

IMG-20260111-WA0002

 

ورزازات | يستعد المجلس الإقليمي لورزازات، خلال دورته العادية لشهر يناير 2026 المرتقب عقدها يوم الاثنين المقبل، للتصويت على نقطة مثيرة للجدل تتعلق باتفاقية دعم جديدة لفائدة جمعية إعلامية “تم إحياؤها” بعد سنوات من الركود والغياب، في خطوة تضع المؤسسة المنتخبة في قلب اتهامات ثقيلة باستغلال سياسي فجّ للمال العام، بعيداً عن أي منطق مهني أو احترام للضوابط القانونية والتنظيمية.

الاتفاقية المزمع تمريرها، والتي ترصد مبلغا يناهز 12 مليون سنتيم تحت ذريعة “تغطية أنشطة المجلس”، لا تأتي في فراغ، بل في سياق مشحون ما تزال فيه الذاكرة القريبة للرأي العام مثقلة بأسئلة حارقة حول اتفاقية سابقة بقيمة 45 مليون سنتيم صُودق عليها في دورة استثنائية، دون أن يكلف المجلس نفسه عناء تقديم أي توضيح بخصوص مآلها أو مبرراتها، رغم البيانات الاستنكارية الصريحة التي أصدرتها جمعيات إعلامية إقليمية وجهوية، ولا تزال إلى اليوم دون جواب.

الأخطر في هذا المسار، أن المجلس، وبعد أن وجد نفسه محاصَراً بانتشار بيانات التنديد في المنابر الوطنية والجهوية والمحلية، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، اختار منطق التحدي بدل التصحيح، ماضياً في برمجة دعم انتقائي جديد، في سلوك لا يمكن قراءته إلا كاستخفاف سافر بالرأي العام، وضرب مباشر لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

فاعلون جمعويون وإعلاميون وصفوا الخطوة بكونها خرقاً قانونياً واضحاً، إذ جرى تخصيص الدعم دون إعلان مسبق، ودون فتح باب المنافسة، ودون اعتماد دفتر تحملات يحدد الشروط والمعايير، في انتهاك صريح لمبادئ الشفافية، وتكافؤ الفرص، والحكامة الجيدة، كما يقرّها الدستور والقوانين المؤطرة للدعم العمومي. إننا أمام دعم يُمنح في العتمة، وبمنطق الريع، لا بمنطق الاستحقاق.

وتزداد الشبهة قتامة حين يتضح أن الجمعية المستفيدة لم يمض على تجديد مكتبها المسير سوى أسبوعين فقط، بعد سنوات من الجمود، دون أي رصيد مهني أو إنتاج إعلامي يُذكر. بل إن الجمع العام الذي أُعلن عنه، حسب مصادر موثوقة، انعقد في ظروف يطبعها الغموض، بغياب بعض الأعضاء، وفي توقيت ومكان (دار شباب تشهد نشاطاً مكثفاً لقطاع الشباب) يثيران تساؤلات جدية حول قانونية المسطرة ذاتها، وحول الخلفيات الحقيقية لاختيارٍ يبدو أن الولاء فيه يتقدّم على الكفاءة.

هذه التطورات تعيد إلى الواجهة بيانات استنكارية سابقة لجمعيات إعلامية بالإقليم، حذّرت بوضوح من تحويل الدعم العمومي إلى أداة للاسترزاق وتصفية الحسابات، وحمّلت المجلس الإقليمي المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية عن هذا الانحراف الخطير في تدبير المال العام، مع التنديد بإقصاء جمعيات فاعلة دون أي سند قانوني.

كما يضع هذا الملف علامات استفهام ثقيلة حول النسخة “المحينة” من تشكيلة المجلس، التي يرأسها اليوم عضو كان يُصنَّف في المعارضة إلى وقت قريب، وينتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، قبل أن ينتقل إلى موقع القرار، ليكرّس ممارسات كان من المفترض محاربتها، لا إعادة إنتاجها بأسوأ صورها (خلافًا للمنطق).

في ظل هذا المشهد القاتم، تتجه الأنظار إلى سلطات الوصاية، باعتبارها الجهة المخول لها قانوناً التأشير على الميزانيات ومراقبة مشروعيتها، وسط مطالب واضحة وصريحة بالتدخل العاجل لوقف هذا النزيف، ورفض التأشير على أي اعتماد لا يستجيب لشروط المشروعية والشفافية، مع فتح افتحاص إداري ومالي مستقل وترتيب الجزاءات القانونية عند الاقتضاء.

فهل سيمضي المجلس الإقليمي لورزازات في تمرير هذه الاتفاقيات ضارباً عرض الحائط بالقانون وبذكاء الرأي العام؟ أم أن ضغط الجمعيات المقصية، ويقظة المتابعين، سيفرضان تصحيح المسار، واعتماد آليات واضحة وعادلة في دعم الإعلام، تقوم على الإعلان المسبق، وتكافؤ الفرص، وربط الدعم بالمشاريع والنتائج، وربط المسؤولية بالمحاسبة؟

أسئلة معلّقة، تُبقي العبث سيّد تدبير الشأن الإقليمي بورزازات، إلى أن تتدخل الجهات المختصة بإرادة حقيقية لحماية المال العام، وصون كرامة المهنة، واستعادة ما تبقى من ثقة في مؤسسة يفترض فيها أن تكون في خدمة الصالح العام… لا في خدمة الحسابات الضيقة.