الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

حين تتحول التفاصيل إلى إدانة: الصورة كسلطة أخلاقية صامتة

IMG-20251218-WA0005

 

بقلم: سيداتي بيدا

لم تعد الصورة في المجال العمومي حدثًا عابرًا أو عنصرًا تزيينيًا في المشهد السياسي، بل أضحت نصًا مكثفًا، قائمًا بذاته، يمارس سلطة رمزية لا تقل فتكًا عن الخطاب المكتوب أو القرار السيادي. ومن هذا المنظور، فإن الصورة المتداولة لرئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، السيدة أمينة بوعياش، وهي تحتمي بمظلة من المطر بينما يبتلّ حاملها بالكامل، لا يمكن اختزالها في سوء تقدير عابر أو في لحظة بروتوكولية غير محسوبة. إنها صورة إدانة بصرية، بليغة في صمتها، فاضحة في رموزها.

تكمن خطورة هذه الصورة لا في محتواها الظاهر، بل في بنيتها الرمزية العميقة. فهي تعيد إنتاج تراتبية صامتة، حيث تُمنح الحماية للسلطة، ويُترك الجسد الوظيفي — المرافق، الحارس، أو “الفاعل غير المرئي” — في موقع التعرض والتهميش. هنا، لا نكون أمام مشهد طبيعي فرضته الظروف المناخية، بل أمام تجسيد مكثف لعلاقة قوة غير متكافئة، تُمارَس دون وعي، لكنها تُقرأ بوعي نقدي حاد في زمن الصورة.

في السياق الحقوقي، تتضاعف المسؤولية الأخلاقية للفاعل العمومي. فالمؤسسات المعنية بحماية الكرامة الإنسانية لا تُقاس فقط ببلاغة تقاريرها أو صرامة توصياتها، بل بقدرتها على تجسيد هذه القيم في أدق تفاصيل السلوك اليومي. وحين تتناقض الرموز مع الخطاب، تصبح الصورة أكثر صدقية من البيان، وأكثر إقناعًا من أي دفاع لاحق.

لقد حاول بعض المدافعين عن الواقعة تبرير المشهد باعتبارات تنظيمية وأمنية، في محاولة لنزع البعد الأخلاقي عن الصورة وإعادتها إلى خانة “الترتيبات التقنية”. غير أن هذا التبرير يغفل حقيقة جوهرية: المسؤول العمومي لا يتحرك في الفضاء العام بصفته الفردية، بل باعتباره جسدًا تمثيليًا محمّلًا بالدلالات. وكل إيماءة تصدر عنه، مهما بدت بسيطة، تدخل تلقائيًا في مجال التأويل السياسي والأخلاقي.

إن الصورة، في زمن الهيمنة البصرية، لم تعد مجرد انعكاس للواقع، بل أداة مساءلة حقيقية. إنها محكمة رمزية صارمة، لا تنصت إلى النوايا ولا تعبأ بالتبريرات المتأخرة. وهي، في هذه الحالة، تطرح سؤالًا مقلقًا: كيف يمكن لمؤسسة تُناط بها مهمة الدفاع عن حقوق الإنسان أن تقع، ولو رمزيًا، في إنتاج مشهد يُفهم منه انتقاص غير معلن من كرامة إنسان آخر؟

لا يتعلق الأمر بمظلة، ولا بمطر، ولا حتى بشخص بعينه. بل يتعلق بفجوة بنيوية بين خطاب حقوقي مُتقن الصياغة، وممارسة يومية قد تنقضه بصمت. فالثقة العمومية لا تُبنى بالشعارات، بل بالانسجام الصارم بين القول والفعل، وبين الامتياز والمسؤولية، وبين الموقع والقدوة.

لقد انتهى زمن الحصانة الرمزية. وأصبحت الصورة، بما تحمله من عنفس دلالي ،قادرة على تقويض خطابات كاملة ،مهما بدت محكمة ومنمقة . وفي عالم تحكمه العين قبل العقل ،قد تكفي تفصيلة واحدة لتفكيك سردية مؤسساتية بأكملها.