؟.
مع اقتراب الانتخابية التشريعية، يطرح اختيار وكيل اللائحة الجهوية بسوس ماسة نفسه باعتباره واحدا من أكثر القرارات حساسية داخل الأحزاب السياسية، ليس فقط لأنه يتعلق باسم سيتصدر لائحة انتخابية، وإنما لأن الأمر يرتبط بصورة الحزب، وبقدرته على المنافسة، وبمدى احترامه لقاعدته، وبقدرته على قراءة التحولات التي يعرفها المجتمع والشارع السياسي. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي أن يكون الاختيار منسجما مع الحسابات التنظيمية الداخلية، بل ينبغي أن يكون منسجما أولا مع منطق العقل والمنطق السياسي، ومع مبدأ تكافؤ الفرص، ومع ما راكمه كل مرشح و مرشحة من حصيلة وعمل وحضور وقرب من المواطن.
إن اختيار وكيل اللائحة تلجهوية لا ينبغي أن يتحول إلى مكافأة تنظيمية أو نتيجة لتوازنات ظرفية أو ثمرة لترافع شخصي، وإنما يجب أن يكون تتويجا لمسار سياسي وميداني حقيقي، قوامه الالتزام والعمل الجاد والمستمر، والقدرة على التواصل، والإنصات، وبناء جسور الثقة مع المواطنين، والمساهمة الفعلية في تعزيز حضور الحزب وتقوية موقعه داخل المنطقة. فالسياسة في جوهرها ليست مواقع تمنح، وإنما مسؤوليات تكتسب بالعمل والمردودية والحضور.
ومن هذا المنطلق، فإن الإنصاف يقتضي أن تكون أمام جميع الأسماء فرصة متكافئة، وأن يتم الاحتكام إلى معايير واضحة وموضوعية، لا إلى اعتبارات غير مرتبطة بالمردودية السياسية. وتكافؤ الفرص لا يعني فقط أن تفتح الأبواب أمام الجميع، وإنما يعني أن تتم مقارنة المسارات والحصائل والأدوار والحضور الميداني وفق المعايير نفسها، حتى يكون القرار النهائي مبنيا على ما قدمه كل شخص، وما راكمه من تجربة، وما استطاع أن يحققه على أرض الواقع.
فمن قضى سنوات في العمل الميداني، وظل قريبا من المواطنين، وحافظ على حضوره السياسي والتنظيمي، واشتغل على قضايا المنطقة، وساهم في بناء علاقة متينة بين الحزب والمجتمع، لا يمكن أن تكون حصيلته مساوية لمن لم يكن له الحضور نفسه أو التراكم نفسه. وهنا تحديدا يجب أن تكون الحصيلة هي اللغة التي يفهمها القرار السياسي، لأن الحصيلة لا تحتاج إلى كثير من التبرير، والعمل الميداني لا يحتاج إلى شهادة من أحد، فالمواطنون يتابعون، والإعلام يرصد، والرأي العام يلاحظ، والسنوات كفيلة بكشف حقيقة المسارات.
ولذلك فإن الإنصات إلى المواطنين ينبغي ألا يبقى مجرد شعار انتخابي. المواطن اليوم أكثر وعيا، وأكثر قدرة على تقييم الأشخاص والمسارات، وأصبح ينظر إلى المرشح باعتباره جزءا أساسيا من قراره الانتخابي. ولم يعد كافيا أن يحمل المرشح اسم الحزب أو أن يستند إلى موقع تنظيمي، بل أصبح السؤال الحقيقي الذي يطرحه الناخب هو: ماذا قدم هذا الشخص؟ أين كان؟ هل كان قريبا من المواطنين؟ هل استمع إليهم؟ هل حافظ على تواصله معهم؟ وهل ساهم فعلا في الدفاع عن قضايا المنطقة وتعزيز حضور الحزب؟
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل ما تعكسه وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من نقاشات ومتابعات وانطباعات حول الشخصيات السياسية. صحيح أن وسائل التواصل لا يمكن أن تكون بديلا عن المؤسسات الحزبية ولا أن تحل محل آليات اتخاذ القرار، لكنها أصبحت مرآة من مرايا الرأي العام، ومؤشراً على مستوى الحضور والتفاعل والقبول. وعندما تتراكم على مدى سنوات مؤشرات موضوعية من الإعلام والرأي العام والمواطنين حول شخصية سياسية معينة، وتلتقي هذه المؤشرات مع مسار واضح من العمل والالتزام والقرب والتواصل، فإن من الحكمة السياسية أن يتم الإنصات إليها وعدم التعامل معها باعتبارها مجرد أصوات هامشية.
فالسياسة الناجحة لا تعيش في المكاتب المغلقة، وإنما تختبر في الشارع، وفي علاقة المنتخب بالمواطن، وفي قدرة السياسي على الحضور حين تكون القضايا صعبة، لا فقط حين تكون الأضواء مسلطة. والشخص الذي بنى جسورا من التواصل المستمر مع المواطنين على مدى سنوات، واشتغل في الميدان، وساهم في تعزيز صورة الحزب وحضوره، يمتلك رصيدا سياسيا لا يمكن اختزاله في لحظة انتخابية أو في قرار تنظيمي عابر.
إن الحزب الذي يريد الحفاظ على قوته في منطقة يعتبرها معقلا أساسيا له، مطالب بأن يقرأ الواقع كما هو، لا كما يتمنى أن يكون. فالخريطة السياسية تتغير، والناخب يتغير، وأنماط التصويت تتغير، والثقة في الأحزاب لم تعد مضمونة بشكل تلقائي. ولذلك فإن أي اختيار يجب أن يأخذ بعين الاعتبار شخصية المرشح ومدى قدرته على الحفاظ على الرصيد الانتخابي للحزب وتوسيعه، وليس فقط موقعه داخل التنظيم.
كما أن التحولات التي تعرفها الساحة الحزبية، من انتقالات واستقطابات وإعادة تموقع، تفرض قدرا أكبر من الحكمة في صناعة القرار. فالانتقالات السياسية قد تعيد تشكيل التوازنات، لكنها في الوقت نفسه قد تؤثر على البناء القاعدي والجماهيري للأحزاب، خصوصا إذا لم تتم مواكبتها بقراءة واقعية لمزاج المواطنين. ومن هنا فإن الرهان على شخصيات تتمتع برصيد ميداني حقيقي يمكن أن يكون عاملا أساسيا في حماية تماسك الحزب وتعزيز قوته.
لقد انتهى إلى حد كبير زمن الاعتقاد بأن المواطن سيصوت للحزب كيفما كان اسم المرشح. المواطن أصبح يراقب الشخص، ويقرأ مساره، ويقارن بين أدائه وأداء غيره، ويبحث عن من يراه قادرا على تمثيله. ولذلك فإن اختيار وكيل اللائحة الجهوية أصبح في حد ذاته رسالة سياسية إلى الناخب: هل الحزب يحترم اختيارات المواطنين ويكافئ العمل والحصيلة، أم أن الحسابات الداخلية يمكن أن تتقدم على كل شيء؟.
والحقيقة أن الحزب الذي يريد تحقيق مكسب انتخابي حقيقي عليه أن يختار من يستطيع أن يضيف إليه، لا من يحتاج إلى الحزب ليضيف إليه. عليه أن يختار من كان حاضرا قبل الانتخابات، لا من سيظهر بسبب الانتخابات. وأن يختار من راكم رصيدا من الثقة لدى المواطنين، لا من يملك فقط رصيداً من العلاقات داخل التنظيم.
إن احترام القاعدة والإنصات إلى المواطنين لا يعنيان التخلي عن المؤسسات الحزبية، بل يعنيان جعل القرار الحزبي أكثر واقعية وأكثر ارتباطا بالمجتمع. فالمؤسسات القوية هي التي تعرف كيف تنصت، وكيف تقرأ، وكيف توازن، وكيف تختار الشخص المناسب في الموقع المناسب.
وفي ظل واقع سياسي حساس، لا يمكن للأحزاب أن تتحمل قرارات قد تزيد من حالة النفور أو تعمق الإحساس بعدم جدوى المشاركة السياسية. فالمواطن الذي يشعر بأن صوته لا يُسمع قبل الانتخابات قد لا يكون مستعداً لمنح صوته بسهولة أثناءها. أما حين يشعر بأن اختياراته وملاحظاته ومتابعته للمشهد تؤخذ بعين الاعتبار، فإن ذلك يمكن أن يعيد جزءا من الثقة المفقودة ويقوي العلاقة بين المواطن والمؤسسة الحزبية.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن مرشح يرضي هذا الطرف أو ذاك، وإنما البحث عن مرشح يستطيع أن يجمع، وأن يقنع، وأن يمثل الحزب والمواطنين في الوقت نفسه. مطلوب شخص لديه رصيد من العمل، ومسار حافل بالحضور، وتجربة ميدانية، وقدرة على التواصل، ومصداقية تسمح له بخوض المعركة الانتخابية بثقة.
فالاختيار الأنسب لا ينبغي أن يكون اختيارا ضد أحد، وإنما اختيارا لصالح الحزب، ولصالح المواطن، ولصالح المصلحة السياسية العامة. وإذا كانت هناك شخصية راكمت عبر سنوات طويلة حضورا واضحا، والتزاما مستمرا، وقربا من المواطنين، وإسهاما في تعزيز تواجد الحزب وتقوية صورته في المنطقة، فإن منطق الإنصاف يفرض أن تكون هذه الحصيلة في صلب القرار، لا أن يتم تجاوزها لحسابات ظرفية قد لا تصمد أمام امتحان صناديق الاقتراع.
وفي نهاية المطاف، فإن الانتخابات لا تجامل أحدا. قد تنجح الحسابات داخل الاجتماعات، لكن الحساب الحقيقي يبدأ عندما يفتح صندوق الاقتراع. وهناك فقط تظهر قيمة الحضور، وقيمة الحصيلة، وقيمة المصداقية، وقيمة العلاقة التي بناها السياسي مع المواطن طوال سنوات.
إنها لحظة اختبار حقيقية للحزب وللقيادات التي ستتخذ القرار: هل سيكون الاحتكام إلى العقل والمنطق والحصيلة وتكافؤ الفرص؟ هل ستكون الأولوية للكفاءة والعمل والقرب من المواطن؟ هل سيتم الإنصات إلى الرسائل التي يبعث بها الرأي العام والإعلام والمواطنون؟ أم ستتقدم الحسابات الضيقة على كل هذه الاعتبارات؟
إن اختيار وكيل اللائحة الجهوية ليس مجرد قرار انتخابي، بل قرار يرسم جزءا من مستقبل الحزب في المنطقة. ولذلك فإن المطلوب هو اختيار من يستطيع أن يحافظ على القوة، ويوسع القاعدة، ويستعيد الثقة، ويبني جسورا جديدة مع المواطنين.
اختاروا من راكم العمل قبل الانتخابات، ومن كان قريبا من المواطن قبل طلب صوته، ومن عزز حضور الحزب في الميدان قبل أن يطلب تمثيله، ومن تتحدث حصيلته عنه قبل أن يتحدث هو عن نفسه.
فحين يكون الاختيار مبنياً على الكفاءة والحصيلة والمصداقية، يكون الحزب قد أنصف مرشحيه، واحترم قاعدته، وأنصف المواطن. أما حين تتقدم الحسابات الضيقة على منطق العمل والاستحقاق، فإن صناديق الاقتراع وحدها ستكشف في النهاية أي اختيار كان أكثر واقعية وأي قرار كان أكثر حكمة.

