بقلم: الباحث حبيل رشيد
تُعد المسطرة الغيابية من أكثر المؤسسات الإجرائية إثارة للنقاش داخل المنظومة الجنائية المغربية، بالنظر إلى ما تثيره من تداخل دقيق بين مقتضيات النجاعة القضائية ومتطلبات حماية الحقوق والحريات الأساسية، ذلك أن الأصل في الدعوى العمومية أن تُمارس في مواجهة متهم حاضر يمثل أمام قاضيه الطبيعي ويمكنه من مناقشة وسائل الإثبات والرد على الاتهامات الموجهة إليه والاستفادة من كافة الضمانات المقررة دستورياً وقانونياً، غير أن الواقع العملي كثيراً ما يفرز حالات يعمد فيها المتهم إلى التواري عن الأنظار أو الفرار من قبضة العدالة أو الامتناع عن الامتثال للاستدعاءات الموجهة إليه، الأمر الذي قد يؤدي إلى شل حركة الدعوى العمومية وإفراغ الوظيفة الردعية للقانون الجنائي من محتواها، وهو ما دفع المشرع المغربي إلى إقرار نظام إجرائي استثنائي يتمثل في المسطرة الغيابية باعتبارها آلية قانونية تروم مواجهة حالة العصيان الإجرائي التي يخلقها المتهم بإرادته المنفردة.
وقد أولى المشرع المغربي لهذه المؤسسة عناية خاصة ضمن المواد من 443 إلى 454 من قانون المسطرة الجنائية، قبل أن تتدخل المراجعة التشريعية الأخيرة بموجب القانون رقم 03.23 لتعيد صياغة العديد من مقتضياتها في اتجاه يزاوج بين تحديث العدالة الجنائية وتبسيط الإجراءات وتحقيق الاقتصاد القضائي، وهي مراجعة جاءت في سياق وطني يتسم بتنامي الاعتماد على الوسائط الرقمية داخل المرفق القضائي، وتكريس الاختيارات الاستراتيجية الرامية إلى بناء عدالة رقمية أكثر سرعة وفعالية وانفتاحاً على التكنولوجيات الحديثة، غير أن هذا التوجه، رغم وجاهة أهدافه، يثير إشكالات قانونية ودستورية عميقة تتصل بمدى احترام الحقوق الأساسية للمتهم، وبحدود التوفيق بين مقتضيات الأمن القضائي وضمانات المحاكمة العادلة.
فبالرجوع إلى المادة 443 من قانون المسطرة الجنائية في صيغتها المعدلة، يتضح أن المشرع حدد على سبيل الحصر الحالات التي تبرر سلوك المسطرة الغيابية، والمتمثلة في تعذر إلقاء القبض على المتهم بعد إحالته على غرفة الجنايات، أو فراره بعد القبض عليه، أو عدم استجابته للاستدعاء المسلم إليه قانوناً في حالة السراح أو الإفراج المؤقت أو الوضع تحت المراقبة القضائية. وتكشف هذه الحالات عن إرادة تشريعية تروم التصدي لكل سلوك من شأنه عرقلة السير العادي للدعوى العمومية، غير أن خطورة الآثار القانونية المترتبة عن تفعيل هذه المسطرة تجعلها استثناءً وارداً على أصل الحضورية، الأمر الذي يفرض تفسير مقتضياتها تفسيراً ضيقاً وعدم التوسع في تطبيقها إلا في الحدود التي رسمها القانون.
ومن أبرز المستجدات التي جاء بها القانون رقم 03.23 رفع الأجل الممنوح للمتهم للمثول أمام غرفة الجنايات من ثمانية أيام إلى خمسة عشر يوماً، وهو تعديل يعكس توجهاً تشريعياً أكثر انسجاماً مع مفهوم الأجل المعقول باعتباره أحد مكونات المحاكمة العادلة، إذ إن منح المتهم مهلة أطول للحضور يكرس بصورة أوضح حقه في إعداد دفاعه وتسوية وضعيته القانونية قبل ترتيب الآثار الجسيمة المترتبة عن إعلان غيابه. كما نصت المادة 443 بعد تعديلها على أن صدور الأمر بإجراء المسطرة الغيابية يضع حداً بقوة القانون للأمر بإلقاء القبض الصادر عن قاضي التحقيق، وهو مقتضى يعكس منطقاً قانونياً مفاده أن الملف يكون قد تجاوز مرحلة التحقيق الإعدادي وأصبح معروضاً على غرفة الجنايات المختصة بالبت في الجوهر، الأمر الذي يجعل استمرار الأمر السابق فاقداً لجدواه الإجرائية.
غير أن المستجد الأبرز والأكثر إثارة للنقاش يتمثل في التحول من وسائل الإشهار التقليدية إلى النشر الإلكتروني عبر المنصة الرقمية المخصصة للمسطرة الغيابية. فقد استغنى المشرع عن نظام التعليق بآخر موطن للمتهم وعن الإذاعة الوطنية والنشر الورقي، وعوضها بآلية إلكترونية حديثة يتم من خلالها نشر الإعلان لمدة خمسة عشر يوماً، وهو اختيار ينسجم من حيث المبدأ مع فلسفة التحول الرقمي التي أصبحت تشكل إحدى الدعائم الأساسية لتحديث الإدارة القضائية. غير أن الإشكال القانوني الذي يطرح نفسه بإلحاح يتمثل في الطبيعة القانونية لهذا النشر الإلكتروني، وهل يمكن اعتباره وسيلة تبليغ قانونية منتجة لآثارها الإجرائية أم مجرد وسيلة إشهار مكملة لا ترقى إلى مستوى التبليغ الشخصي الذي يترتب عنه سريان الآجال القانونية.
وتزداد أهمية هذا النقاش إذا استحضرنا أن المادة 445 من قانون المسطرة الجنائية ترتب آثاراً خطيرة على مجرد انصرام أجل الحضور دون امتثال المتهم، حيث يصبح هذا الأخير في حكم العاصي للقانون، ويتم تجريده من جملة من الضمانات المسطرية التي تشكل في الأصل ركائز المحاكمة الجنائية العادلة. فبمقتضى هذه المادة لا يقبل من المتهم المتغيب الإدلاء بمذكرات دفاع، ولا يسمح له بالمؤازرة بواسطة محام أثناء نظر القضية، كما توضع أمواله تحت نظام العقل، ويجرد من حقوقه الوطنية بمجرد نشر ملخص القرار الجنائي، وهي آثار تمثل تدخلاً عميقاً في المركز القانوني للمتهم قبل أن يصدر حكم نهائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به.
ولا شك أن أكثر المقتضيات إثارة للجدل تتمثل في حرمان المتهم من ممارسة حقوق الدفاع خلال مرحلة المحاكمة الغيابية، إذ يثور التساؤل حول مدى انسجام هذا الحرمان مع الفصل 23 من الدستور ومع المبادئ الكونية للمحاكمة العادلة المكرسة في المواثيق الدولية ذات الصلة. فحقوق الدفاع لا تُعد امتيازاً ممنوحاً للمتهم حسن النية، وإنما ضمانة إجرائية أساسية تلازم الشخص بمجرد متابعته جنائياً، ولذلك يذهب جانب من الفقه إلى أن مواجهة الغياب ينبغي أن تتم عبر وسائل إجرائية أخرى دون المساس بجوهر حق الدفاع الذي يشكل أحد أعمدة الشرعية الإجرائية الحديثة.
ومن زاوية أخرى، أفرزت الممارسة القضائية جملة من الإشكالات التطبيقية التي لم يستطع القانون رقم 03.23 معالجتها بصورة كاملة. ففي حالة القبض على شخص ينازع في هويته ويدعي أنه ليس المعني بالأمر الصادر في إطار المسطرة الغيابية، تحيل المادة 453 على مقتضيات المادتين 592 و595 من قانون المسطرة الجنائية، بما يسمح للمحكمة بالتحقق من الهوية عن طريق الشهود والخبرات والأبحاث التقنية. غير أن هذه الإجراءات قد تستغرق زمناً طويلاً، وهو ما يطرح إشكالاً حقيقياً يتعلق بشرعية استمرار الاعتقال خلال فترة التحقق من الهوية، خاصة عندما يتعلق الأمر بادعاءات جدية يمكن أن يترتب على إهمالها المساس بحرية شخص لا علاقة له بالدعوى الأصلية.
كما يثار إشكال آخر يتعلق بالاختصاص النوعي لغرفة الجنايات الاستئنافية في إصدار أوامر المسطرة الغيابية. فالمادة 443 تتحدث عن غرفة الجنايات بصيغة عامة دون تمييز بين الدرجة الابتدائية والدرجة الاستئنافية، الأمر الذي فتح المجال لاجتهادات متباينة قبل أن يستقر العمل القضائي على منح هذه الصلاحية للغرفتين معاً تحقيقاً لفعالية العدالة الجنائية وضماناً لاستمرارية سير الدعوى العمومية.
وإذا كانت الرقمنة قد ساهمت في تبسيط إجراءات الإشهار والتبليغ، فإنها في المقابل فتحت الباب أمام إشكالات جديدة مرتبطة بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. فالمعطيات المنشورة عبر منصة المسطرة الغيابية تتضمن أسماء أشخاص متابعين أو محكوم عليهم في قضايا جنائية، وهي معطيات تكتسي حساسية خاصة بالنظر إلى تأثيرها المباشر على السمعة والحياة الخاصة. ومن ثم فإن نشرها ينبغي أن يخضع للمبادئ المؤطرة للقانون رقم 09.08، وفي مقدمتها مبدأ التناسب، ومبدأ تحديد الغاية، ومبدأ تقليص البيانات المنشورة إلى الحد الأدنى اللازم لتحقيق الهدف القانوني المنشود.
كما تطرح الرقمنة إشكالية الحق في النسيان الرقمي، وهو حق أصبح يحتل مكانة متقدمة في الفقه المقارن. فاستمرار ظهور بيانات شخص تمت تسوية وضعيته القانونية أو صدر لفائدته حكم بالبراءة قد يؤدي إلى تكريس نوع من العقوبة الاجتماعية غير المنصوص عليها قانوناً، وهو ما يفرض وضع آليات دقيقة لسحب المعطيات فور انتفاء المبرر القانوني لاستمرار نشرها، مع إخضاع هذه العملية لمراقبة قضائية فعالة تضمن التوازن بين حق المجتمع في المعلومة وحق الفرد في حماية حياته الخاصة.
ومن زاوية نقدية، يمكن القول إن القانون رقم 03.23 نجح في تحديث البنية الإجرائية للمسطرة الغيابية من خلال تبسيط الإجراءات وإدماج الوسائل الرقمية وتقليص بعض مظاهر البطء المسطري، غير أنه لم يحسم عدداً من الإشكالات الجوهرية المرتبطة بمصير الأموال الموضوعة تحت نظام العقل، ولا بحدود الحرمان من حقوق الدفاع، ولا بالضمانات التقنية والقانونية الكفيلة بإضفاء الحجية الكاملة على النشر الإلكتروني، كما أنه أبقى على المادة 451 التي تحرم المتهم المتغيب من سلوك طرق الطعن العادية وغير العادية، وهو مقتضى يظل محل نقاش فقهي متجدد في ضوء الاتجاهات الحديثة التي تميل إلى توسيع نطاق الضمانات الإجرائية حتى بالنسبة للمتهمين المتخلفين عن الحضور.
وخلاصة القول إن المسطرة الغيابية في ظل قانون المسطرة الجنائية الجديد 03.23 تجسد محاولة تشريعية لإعادة التوازن بين مقتضيات الفعالية الزجرية ومتطلبات العدالة الإجرائية في زمن الرقمنة القضائية، غير أن نجاح هذه التجربة يظل رهيناً بمدى قدرة المشرع والقضاء على استكمال البناء القانوني للمسطرة الغيابية بما يضمن حماية النظام العام دون التضحية بجوهر الحقوق والحريات التي تشكل الأساس الحقيقي لكل محاكمة عادلة، إذ إن قوة العدالة لا تقاس فقط بقدرتها على الوصول إلى المتهم الفار، وإنما تقاس كذلك بمدى وفائها للمبادئ التي وجدت أصلاً لحمايتها.

