الأحداث الوطنية|فضاء المرأة

مولاي أحمد الدوريدي: «حكيمة حميش: امرأة فعل وقناعة»… شهادة على مسار إنساني وحقوقي من أجل الكرامة والحرية

IMG-20260529-WA0030

 

 

صالح داهي: العيون

 

يُعد كتاب «حكيمة حميش: امرأة فعل وقناعة» إضافة فكرية وحقوقية متميزة للمكتبة المغربية، باعتباره عملاً يوثق لمسار طبيبة ومناضلة ارتبط اسمها بالدفاع عن الحق في الصحة وكرامة الإنسان، وبالنضال ضد داء السيدا وكل أشكال الوصم والتمييز الاجتماعي.

 

فالكتاب، الذي أنجزته الكاتبة والصحفية لطيفة إيمان من خلال سلسلة حوارات عميقة وغنية، لا يقتصر على استعراض السيرة الشخصية للدكتورة حكيمة حميش، بل يقدم قراءة في مرحلة مهمة من تاريخ المغرب الحديث، بما عرفته من تحولات سياسية واجتماعية وثقافية وحقوقية.

 

ويكشف هذا العمل عن شخصية حكيمة حميش باعتبارها نموذجًا للمرأة المثقفة والمنخرطة في قضايا مجتمعها، حيث نجحت في الجمع بين العمل الطبي والنضال الحقوقي، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الحق في العلاج والصحة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

 

ومن خلال تجربتها الطويلة في مواجهة داء السيدا، تؤكد حكيمة حميش أن المعركة ضد المرض لا تقتصر على الجانب الطبي، بل تشمل أيضًا مواجهة الخوف والأحكام المسبقة والإقصاء الاجتماعي الذي تعانيه الفئات الهشة. فالمصاب بفيروس نقص المناعة، في نظرها، يعاني أحيانًا من نظرة المجتمع أكثر مما يعاني من المرض ذاته.

 

كما يبرز الكتاب انتماء حكيمة حميش إلى جيل من المناضلين الذين آمنوا بأن الديمقراطية الحقيقية تُقاس بمدى احترام الإنسان وحقوقه الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الصحة والمعرفة والعيش الكريم دون تمييز. لذلك تدافع بقوة عن اعتماد مقاربة إنسانية وحقوقية في معالجة قضايا الصحة الجنسية والإنجابية، بعيدًا عن الأحكام الأخلاقية والخطابات الإقصائية.

 

ويتناول الكتاب كذلك التحديات التي واجهتها النساء المغربيات داخل الفضاءات السياسية والحقوقية، حيث تؤكد حكيمة حميش أن النضال النسوي لا يقتصر فقط على المطالبة بالمساواة القانونية، بل يشمل أيضًا تغيير العقليات والثقافة الاجتماعية التي تعيد إنتاج التمييز ضد النساء وتحد من حضورهن في مواقع القرار.

 

كما يتوقف العمل عند إشكالية المحافظة الاجتماعية التي توظف الدين والأخلاق أحيانًا لتبرير التضييق على الحريات الفردية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على قضايا الصحة العمومية، خاصة تلك المرتبطة بالشباب والنساء والفئات المهمشة. ومن هنا تدعو حكيمة حميش إلى ترسيخ ثقافة التوعية والتربية والوقاية بدل منطق الوصم والإقصاء.

 

ويكشف الكتاب أيضًا عن تجربتها داخل الجمعية المغربية لمحاربة السيدا، حيث استطاعت تحويل العمل الجمعوي إلى فضاء للدفاع عن الكرامة الإنسانية والإنصات لمعاناة الناس، بعيدًا عن الشعارات أو البحث عن الامتيازات.

 

وتتجلى أهمية هذا الإصدار في كونه يقدم قراءة نقدية لمسار الحركة الحقوقية والنسائية بالمغرب، ويطرح أسئلة جوهرية حول العلاقة بين الديمقراطية والحريات الفردية والصحة العمومية والعدالة الاجتماعية، من خلال تجربة امرأة جمعت بين الجرأة الفكرية والالتزام الإنساني والمعرفة العلمية.

 

إن كتاب «حكيمة حميش: امرأة فعل وقناعة» لا يمثل فقط توثيقًا لمسار امرأة استثنائية، بل يشكل أيضًا دعوة للتفكير في معنى النضال الحقيقي، وفي الحاجة إلى مجتمع أكثر عدالة وإنصافًا، يعترف بحق الجميع في الكرامة والحرية والحياة دون خوف أو تمييز.