المصطفى قبلاني
لم يعد توصيف الأغلبية المسيرة للمجلس الجماعي بخريبكة بكونها في “غرفة الإنعاش” مجرد مبالغة لغوية أو ترف فكري، بل صار قراءة موضوعية لواقع مأزوم تؤكده تفاصيل الحياة اليومية للساكنة. فحين نتأمل وضع “عاصمة الفوسفاط”، نجد أن الشعارات البراقة التي رُفعت إبان الحملات الانتخابية قد تلاشت، تاركةً المجال لخطاب سياسي يتآكل أمام مشاهد الإهمال، وفي ظل صمتٍ مطبق يعكس “سياسة النعامة” وتجاهل حق المواطن في المعلومة والوضوح.
ولعل أكبر دليل على هذا الارتباك التدبيري هو ملف المحطة الطرقية الجديدة؛ هذا المشروع الذي لم يراوح مكانه بعد، ليتحول من طموح تنموي إلى خرق سافر لدفتر التحملات والالتزامات التعاقدية. فالتأخر المستمر في الإنجاز وتجاوز الآجال المسطرة يضع المجلس أمام تساؤلات حارقة حول جدوى الرقابة ونجاعة التتبع، وكيف لمشروع بنيوي أن يظل رهين التعثر في ضرب صارخ للمقتضيات القانونية التي من المفترض أن تضمن حقوق المدينة وساكنتها.
وبالقرب من هذا “التعثر القانوني”، يقف المسبح البلدي المغلق كشاهد عيان آخر على غياب الرؤية؛ فبعد أن كان من المفترض أن يكون متنفسًا للشباب والأسر، تحول إلى رمز للهدر، ومعه تراجعت المساحات الخضراء التي غزاها القحل والنسيان. أما البنية التحتية، فحدث ولا حرج؛ فشوارع المدينة باتت خريطة من الندوب والحفر، وسط فوضى عارمة لاحتلال الملك العمومي جعلت من الرصيف حقًا مستباحًا، في ظل تراخٍ تنظيمي يوحي بغياب سلطة المجلس وهيبة القانون.
كل ذلك يعمّق الإحساس بأن تدبير الشأن المحلي يسير بلا بوصلة، ويفتقر لـ “الذكاء الترافعي” القادر على استثمار خصوصية المدينة المنجمية لانتزاع مشاريع تليق بساكنة تمنح خيراتها للوطن ولا تحصد إلا فتات التهيئة. ولا ينفصل ملف المجزرة الجديدة عن هذا السياق، فقد تحول هو الآخر إلى قصة تُروى عن العجز، ليزيد من منسوب التساؤلات حول فعالية التخطيط لدى أغلبية تكتفي بـ “الشرعية العددية” وتفتقد لـ “الفعالية الإنجازية”.
إن خريبكة اليوم لا تحتاج إلى تبريرات واهية، بل إلى فعل حقيقي يعيد الثقة المفقودة. فالمواطن لم يعد يقيس الأداء بالوعود، بل بما يلمسه في محيطه. وبين خطابٍ يَعِد وواقعٍ يُكذّب، تبقى الحقيقة واضحة: لا يمكن لأي تجربة تدبيرية أن تستمر في حالة “الموت السريري” إلى ما لا نهاية؛ فإما استدراك عاجل يصحح المسار ويفرض احترام دفاتر التحملات، وإما اعتراف صريح بالفشل، فتدبير المدينة أمانة تستوجب الإنجاز أو التنحي.

