بقلم/ سيداتي بيدا
في مشهد نادر في عالم الاقتصاد الدولي، أعلنت موزمبيق تسديد كامل ديونها لصندوق النقد الدولي، لتقف اليوم خارج دائرة المديونية كحالة استثنائية بين عشرات الدول التي لا تزال ترزح تحت ثقل الالتزامات المالية. لم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل نتيجة مسار دقيق من الانضباط المالي والرهان الواعي على استعادة القرار الاقتصادي.
هذا الإنجاز لا يُختزل في رقم صفري، بل يمثل لحظة فارقة تعيد تعريف ما هو ممكن للدول النامية. ففي وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية وتتعمق فيه فجوات التمويل، اختارت موزمبيق أن تسلك طريقاً أكثر صعوبة، لكنه أكثر سيادة: طريق التحرر من الاعتماد المزمن على الاقتراض الخارجي.
لقد أرسلت هذه الخطوة رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الإرادة السياسية، حين تقترن بحوكمة رشيدة وإدارة استراتيجية للموارد، قادرة على كسر القيود التي طالما اعتُبرت حتمية. كما تعزز هذه الخطوة موقع موزمبيق التفاوضي، لتتحول من دولة مدينة إلى شريك قادر على رسم أولوياته بثقة ووضوح.
داخلياً، يفتح هذا التحول الباب أمام إعادة توجيه الطاقات المالية نحو مشاريع تنموية حقيقية، تعزز النمو وتخلق فرص العمل وتدعم الاستقرار الاجتماعي. فالأموال التي كانت تُستنزف في خدمة الدين، يمكن أن تصبح اليوم وقوداً للاستثمار في المستقبل.
ومع ذلك، فإن بلوغ هذه المرحلة لا يعني نهاية التحديات، بل بداية اختبار أكثر تعقيداً: الحفاظ على هذا المكسب وترسيخه. فالتاريخ الاقتصادي مليء بتجارب انتكست بعد لحظات النجاح، حين غاب الانضباط أو تراجعت الرؤية.
في المحصلة، لا تقدم موزمبيق مجرد قصة نجاح، بل نموذجاً ملهماً يعيد بث الثقة في قدرة الدول على تغيير مسارها. إنها دعوة صريحة لإعادة التفكير في مسارات التنمية، ورسالة محفزة مفادها أن التحرر من الديون ليس حلماً بعيد المنال، بل خياراً استراتيجياً لمن يملك الشجاعة والرؤية.

