بقلم:حبيل رشيد
أي بعد استسلام ألمانيا بشهرين فقط… حيث تمكن الإنسان لأول مرة من تحويل أحد معادلات النسبية إلى قنبلة ذرية… وتم تفجيرها… حينها قال روبرت أوبنهايمر عبارته الشهيرة: أنا الموت…
كان ألبرت آينشتاين وباقي العلماء يعتقدون بأن الحاجة لاستخدام القنبلة الذرية قد انتفت… نتيجة لاستسلام الألمان…
ولكن الولايات المتحدة الأمريكية كانت ترى بأن الحرب الدموية مع اليابان لا بد أن تتوقف… بعد أن راح ضحيتها أكثر من مليون إنسان من الطرفين… والسبيل لإيقافها هو ضرب اليابان بالقنبلة الذرية… وجعلها تستسلم تحت تأثير الصدمة… وبالفعل حسم الأمر… واتخذ القرار…
في فجر السادس من أغسطس عام 1945… انطلقت الطائرة B-29 Superfortress حاملة معها أول قنبلة ذرية في تاريخ البشرية… متجهة إلى اليابان… حيث تم اختيار ثلاث مدن يابانية كأهداف للعملية… من بينها مدينة هيروشيما…
بعد الانطلاق بعيداً عن الأراضي الأمريكية… قام أحد أفراد الفريق السري المكلف بالمهمة… بإزالة مفاتيح الأمان التي كانت تمنع القنبلة من الانفجار… واستبدالها بمفاتيح التشغيل… قبل انطلاق الطائرة بي 29 سبقتها طائرات استطلاع للمدن الثلاث… للتأكد من حالة الطقس… إذ إن أحد شروط الهدف أن يكون مرئياً للطائرة عند إلقاء القنبلة…
ولسوء حظ مدينة هيروشيما… فقد كان الطقس جميلاً مشمساً… والرؤية واضحة… وبذلك حسم الاختيار… وجاءت الأوامر بالتوجه لهيروشيما… صممت القنبلة بحيث تنفجر قبل اصطدامها بالأرض…
في تمام الساعة الثامنة وخمسة عشر دقيقة… فتحت أبواب الجحيم…
ألقيت القنبلة الذرية التي أطلق عليها اسم الولد الصغير… استمرت القنبلة بالسقوط لمدة 43 ثانية… بعدها قامت الدوائر الكهربائية بالضغط على الزناد… ليبدأ التفاعل المتسلسل من نيوترون واحد فقط… لتنفجر بعدها القنبلة… حل الدمار في كل شيء…
فتلك القنبلة لم تفرق بين رجل كبير وطفل صغير… بين عسكري ومدني… بين حي وجماد… نشرت القنبلة دمارها على مراحل… في البداية انطلق منها إشعاع كثيف جداً من الجسيمات النووية… وأشعة غاما… وأشعة إكس… وضوء شديد… وأشعة تحت حمراء…
ارتفعت معها درجة الحرارة بمكان الانفجار إلى أربع آلاف درجة مئوية… أحرقت كل ما حولها… كل شخص كان قريباً من مكان الانفجار إما تبخر… أو تحول إلى كربون في لحظات…
بعد الإشعاع الشديد… في أجزاء من الثانية… نتجت موجة صدمية تحركت بسرعة الصوت… لتدمر كل شيء في طريقها دون رحمة… قتل سبعون ألفاً في لحظة الانفجار…
وأصيب سبعون ألفاً آخرون… مات الكثير منهم نتيجة التعرض للإشعاع النووي… لأن ذلك الإشعاع له القدرة على اختراق خلايا الجسم… وتغيير شفرة الدي أن اي الوراثية… لتنقسم الخلايا بعدها بصورة مشوهة… مسببة العديد من الأمراض كالسرطان…
وصلت الأنباء عبر الراديو إلى ألبرت آينشتاين… وشعر بالصدمة نتيجة لذلك الدمار الهائل…
قال آينشتاين: يبدو أنني ارتكبت خطأ بحياتي عندما وقعت تلك الرسالة… ربما يعذرني التاريخ… لأن تلك القنبلة لو كانت بيد النازيين… لكان الدمار أشد من ذلك…
اليوم مدينة هيروشيما تعتبر من أجمل المدن اليابانية… تكاد تشعر أن كل شيء فيها ينبض بالحياة… لن ترى ما يدل على أن كارثة قد حدثت فيها… سوى مبنى وحيد بقي هيكله صامداً بعد الانفجار…
ليذكرنا أن الشعوب العظيمة… هي الشعوب التي تنهض بعد سقوطها… وتخطط لمستقبلها… وتترك الحديث عن الماضي…
وليذكرنا أيضاً أن العالم يجب أن يتخلص من تلك الأسلحة… كمية الأسلحة النووية حالياً قادرة على تدمير الحياة على الأرض أكثر من مرة… ناهيك عن التجارب النووية التي تترك خلفها المواد المشعة… تستمر بإشعاعها لآلاف السنين… ملوثة كل أشكال الحياة من حولها…
لا نعرف كوكباً أجمل من كوكبنا… ولا نعرف كوكباً نستطيع أن نتنفس فيه ككوكب الأرض… فنظرة واحدة للكواكب من حولنا… تجعلنا ندرك قيمته… ونوقن أنه بيتنا الأكبر…
يقول أحد رواد الفضاء… عندما ذهبنا إلى القمر… اكتشفنا كوكب الأرض…

