أقلام حرة

دور الوسائل البديلة في تحسين مناخ الأعمال

بقلم: ذ/ جواد انسام

إن الوسائل البديلة لحل النزاعات ليست بالجديدة على المجتمع المغربي والاسلامي بل كانت سائدة منذ القدم بالتشريع الجنائي الإسلامي: الدية، القصاص. الا انها عرفت تطورا كبيرا في السنوات الأخيرة، لكونها إحدى الوسائل التي تلجأ إليها الأطراف لفض نزاعاتها خارج مؤسسة المحاكم والهيئات القضائية حيث أنها تشمل الصلح والوساطة والتحكيم … وقد اصبحت بالخصوص من بين الدعامات الأساسية للاستثمار وتنمية الاقتصاد .فرغم الدور المهم الذي تلعبه في المجتمع بصفة عامة، لم تكن تستجيب لمتطلبات الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال، وهو ما دفع إلى اللجوء إلى اتخاذ إجراءات من أجل تعزيز دور هذه الوسائل البديلة بغاية أن تصبح كعرف تجاري وضرورة وطنية خدمة للاستثمار والاقتصاد.
اذ قرر المشرع المغربي، منذ أمد بعيد، أن يقدم للمقاولات المغربية والأجنبية حلا بديلا لمعالجة الخلافات، يجنبها الدخول في المساطر القضائية، ويمكنها من الاستفادة من مزايا الحلول البديلة، من حيث المرونة واحترام الخصوصية، وخصوصا الكلفة المنخفضة وسرعة الوصول إلى حل النزاع والحفاظ على العلاقات بين الأطراف.
لقد شهد المغرب نقاشا حقيقيا حول إصلاح منظومة العدالة من خلال فتح حوار حقيقي بين مختلف الفاعلين والمهتمين لتحديد الصيغ والمداخل الأساسية للإصلاح، انتهى بإقرار ميثاق لإصلاح منظومة العدالة.
والغاية من هذا الاصلاح -كما جاء في الخطاب الملكي بالدار البيضاء بتاريخ 08/05/2012- هي تحقيق العدل الذي هو قوام دولة الحق والمؤسسات وسيادة القانون وتحفيز الاستثمار والتنمية. وقد أولى ميثاق إصلاح منظومة العدالة اهتماما بالغا لكل المهن القانونية والقضائية التي تجسد مدخلا أساسيا لنجاح الإصلاح وفق المقاربة الشاملة والعميقة، وتأتي في مقدمة هذا الاهتمام إعادة النظر في منظومة الوسائل البديلة لحل النزاعات كآلية ناجعة وفعالة لتأمين مناخ الأعمال وتعزيز الثقة وجذب الاستثمارات الأجنبية.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن تدبير النزاعات داخل المقاولة يمثل رهانا استراتيجيا يستحيل إهماله، وإلى أن تواجد تلك النزاعات يضعف من بنيتها كما يؤثر على علاقاتها التجارية؛ لذلك فقد قرر المشرع المغربي ،أن يقدم للمقاولات المغربية والأجنبية حلا بديلا لمعالجة الخلافات، يجنبها الدخول في المساطر القضائية، ويمكنها من الاستفادة من مزايا الحلول البديلة، من حيث المرونة واحترام الخصوصية، وخصوصا الكلفة المنخفضة وسرعة الوصول إلى حل النزاع والحفاظ على العلاقات بين الأطراف. بيد أنه رغم هذا الاهتمام، فالملاحظ أن منظومة الوسائل البديلة لم تكن تستجيب لمتطلبات الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال؛ لذلك كان من الواجب اتخاذ إجراءات مهمة لتعزيز ونشر ثقافة الوسائل البديلة كي تصبح كجزء من العرف التجاري، مع إعطائها مكانة مهمة ضمن مجال العدالة، حيث أصبحت الوسائل البديلة ضرورة وطنية في خدمة الاقتصاد والاستثمار ولا يتقدم الاستثمار إلا على أرض التحكيم والوساطة وغيرهما من الوسائل البديلة لحل النزاعات، باعتبارها وسيلة ناجعة وفعالة تضمن حسم تلك المنازعات بعدالة سريعة ومتوازنة ونافذة وتضمن أيضا تحقيق الضمانات الكافية للمستثمر الأجنبي وتشجيع التبادل التجاري وفتح آفاق أوسع وأرحب لتداول وانتقال رؤوس الأموال في مجالات الاستثمار والتنمية مع الحفاظ على استقرار العلاقات التجارية.
ومن تم أضحت الوسائل البديلة لحل المنازعات من الوسائل الملائمة للفصل في مجموعة هامة من المنازعات، كما هو الشأن بالنسبة لمنازعات التجارة الدولية وحماية المستهلك والملكية الفكرية والمنازعات الناشئة في بيئة الأنترنت والتجارة الإلكترونية و منازعات عقود المقاولات و غيرها…….
وبالنظر إلى الدور المتنامي لهذه الوسائل البديلة لحل المنازعات وإلى طابعها العلمي، بات يطلق عليها في الوقت الراهن « الطرق المناسبة لفض المنازعات »، وتنفيذا للتعليمات الملكية السامية في الخطاب الملكي الذي أكد جلالته في عدة مناسبات على ضرورة تطوير الطرق القضائية البديلة كالوساطة والتحكيم والصلح والتفاوض أضف الى ذلك ،التوصيات التي خلص اليها ميثاق اصلاح منظومة العدالة بخصوص  تشجيع اللجوء الى الوساطة والتحكيم والصلح لحل النزاعات  من أجل الانفتاح على  مشروع قادر على تحقيق طموحات المستثمر الأجنبي وكذا تشجيع الاستثمار الأجنبي.

رغم توفر الوسائل البديلة المختلفة لفض المنازعات التجارية لاتزال الكثير من الشركات والمؤسسات تفضل اللجوء إلى القضاء التقليدي لحل المنازعات، بينما يعتقد البعض الآخر أن استخدام الوسائل البديلة يعدّ بديلا أفضل وأكثر فعالية، نظرًا لسرعتها ومرونتها وخصوصيتها.
يعكس الاعتماد على الوسائل البديلة لحل المنازعات التجارية التنامي السريع لقطاع الأعمال، والذي يفرض على الشركات البحث عن سبل جديدة وفعالة للتعامل مع المشاكل المتعلقة بالتجارة والاستثمار. وعندما تقوم الأطراف بتحويل النزاعات التجارية إلى الوسائل البديلة، يمكن تجاوز بعض المشاكل التي تتعلق بالمرونة التشريعية والقضائية الداخلية في كثير من البلدان.
ومع ذلك، يجب فهم أن استخدام الوسائل البديلة ليست بديلا دائمًا للقضاء، بل هي إضافة له وفرصة لتحسين عملية فض المنازعات. وهناك حاجة أيضًا لضمان وجود قوانين وإجراءات فعالة للتأكد من أن الوسائل البديلة تستخدم بشكل صحيح وفعال، وأنها لا تحرم أحدًا من العدالة أو حقوقه المشروعة.
بشكل عام، يتم تبني الوسائل البديلة لفض المنازعات التجارية بهدف تسهيل عملية فض النزاعات وتوفير بديل أسرع وأقل تكلفة من القضاء التقليدي. وعلى الرغم من أن هذه الوسائل تستخدم بشكل متزايد في جميع أنحاء العالم، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى التطوير المستمر والأبحاث المُكثّفة لضمان فعاليتها وفاعليتها كبديل يمكن الاعتماد عليه لفض المنازعات بشكل ناجح في المستقبل