بقلم /سيداتي بيدا
لم يكن أحد يتوقع أن يتحوّل موسم احتفالي، يفترض أن يزرع الفرح في قلوب الأطفال، إلى ساحة تتجسد فيها أبشع صور الانحطاط الإنساني. لكن جريمة اغتصاب الطفل البشير فجّرت الحقيقة المروّعة: هناك من يختبئ بيننا بوجه إنسان وقلب متوحّش. وجاء الحكم الصارم للمحكمة الابتدائية بالجديدة خمسة عشر عاماً سجناً نافذاً لكل واحد من المتهمين الستة لنقول بصوت القانون ما عجز البعض عن قوله بصوت الضمير.
ما حدث ليس مجرد سلوك منحرف، ولا هفوة عابرة، بل جريمة شنيعة تُرتكب ضد قاصر بلا رحمة، جريمة تهدم براءة طفل وتخلّف ندوباً تستمر لسنوات. هنا، يصبح الصمت خيانة، ويصبح التهاون جريمة ثانية. والقانون المغربي لم يترك مجالاً للتأويل، إذ يشدد قبضته حين يتعلق الأمر بالطفل.
فـالفصل 486 من القانون الجنائي يرفع عقوبة الاغتصاب من 10الى20 سنة حين يكون الضحية قاصراً، مؤكداً أن الاعتداء على براءة طفل خط أحمر لا يقبل المساومة. ويأتي الفصل 488 ليزيد من صرامة العقوبات إذا كان الفعل جماعياً أو بالعنف، حيث يمكن أن يصل السجن إلى 20 سنة نافذة. هذا التشديد ليس عبثاً، بل لأنه لا وجود لجريمة أبشع من سحق طفولة إنسان لم يعرف بعد معنى العالم.
الحكم الصادر في قضية البشير ليس انتقاماً، بل رسالة مدوية:
من يجرؤ على العبث بأطفال هذا الوطن سيواجه الدولة، والمجتمع، والقانون… معاً.
لكن الحقيقة المريرة أن الأحكام وحدها ليست كافية. المطلوب اليوم يقظة لا تهدأ، وثقافة حماية للطفل لا تتهاون، ومجتمع يرفض أن يُختطف أطفاله بين الزحام والاحتفالات والصمت. المطلوب عين تراقب، وصوت يصرخ حين يرى الخطر، لا حين يقع.
إن قضية البشير كشفت هشاشة بعض الفضاءات التي يفترض أن تكون آمنة، وكشفت كذلك أن الضحية قد يكون قريباً منا أكثر مما نتصور. ولذلك، نحن أمام منعطف أخلاقي قبل أن يكون قانونياً: إما أن نختار حماية أطفالنا بلا تردد، أو نترك الباب مفتوحاً لوحوش تستغل الظلام والزحام واللامبالاة.
البشير طفل واحد… لكنه يحمل صرخة آلاف الأطفال الذين لا صوت لهم. والقانون قال كلمته، وبقي على المجتمع أن يقول كلمته بلهجة لا تحتمل التأويل:
لن نسمح ليد آثمة أن تمتد لفلذات أكبادنا، ولن نغمض أعيننا بعد اليوم. من يجرح طفلاً… يجرح وطناً بأكمله.

