بقلم: سيداتي بيدا
في عالمٍ تتسارع فيه التقنيات الجنائية وتتطور أدوات تحليل الأدلة بوتيرة لافتة، يبرز اليوم عنصر غير متوقع كشريكٍ جديد للمخبرين والعلماء: بقّ الفراش. هذه الحشرة الصغيرة، التي طالما ارتبطت بالأماكن المزدحمة وباللدغات المزعجة، تتحول الآن إلى منصة بيولوجية دقيقة قادرة على حفظ أسرار الجرائم داخل بطنها لأسابيع طويلة.
تشير الدراسات الحديثة في مجال البيولوجيا الجزيئية إلى أن بقّ الفراش يمتلك قدرة استثنائية على تخزين الحمض النووي البشري لمدة تصل إلى 45 يومًا داخل جهازه الهضمي دون أن يتعرض للتلف الكامل، ما يفتح نافذة جديدة في مسار جمع الأدلة الحيوية. فبينما تحتاج الأدلة التقليدية—مثل بقع الدم أو الشعر—إلى ظروف مثالية للحفظ، يمكن لهذه الحشرة أن تنجو في بيئات قاسية مع احتفاظها بكمية قابلة للتحليل من الـDNA.
وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في أن بقّ الفراش غالبًا ما يوجد في مسارح الجريمة، سواء كانت منازل، فنادق، أو أماكن مهجورة. وجوده غير الملحوظ يجعله شاهداً صامتًا قادرًا على تخزين بصمة وراثية قد تُحسم بها هوية مشتبهٍ به أو ضحية. كما أن الاعتماد عليه يتيح للمحققين الوصول إلى مصدر DNA في حالاتٍ تندر فيها الأدلة أو تتعرض للتلف بسبب الحرارة أو الرطوبة.
من الناحية التقنية، يعتمد الباحثون على تقنيات تحليل متقدمة لاستخلاص الحمض النووي من محتوى الجهاز الهضمي لهذه الحشرات. ورغم التحديات التي تفرضها طبيعة المواد العضوية المهضومة، فإن أدوات التضخيم الجيني ومعالجة العينات الدقيقة تتيح استرجاع معلومات وراثية يمكن استخدامها في المطابقات الجنائية.
هذا الاتجاه الجديد يندرج ضمن ما يُعرف بـ “علم الحشرات الجنائي المتقدم”، وهو مجال يتوسع ليشمل دراسة دور الحشرات في إعادة بناء مسار الأحداث داخل مسرح الجريمة، بدءًا من تحديد توقيت الوفاة، وصولًا إلى تحليل انتقال الأشخاص في المكان. ومع إدخال بقّ الفراش كأداة إضافية، يصبح هذا العلم أكثر ثراءً ودقة.
ومع أنّ هذه التقنية لا تزال في مرحلة التطوير، فإن نتائجها الأولية تشير إلى مستقبل واعد قد يشهد اعتمادًا رسميًا عليها ضمن بروتوكولات التحقيقات. فالحشرة التي كانت تُعدّ مصدر إزعاج منزليّ قد تصبح قريبًا شريكًا غير متوقع في كشف الحقيقة.
وبينما يتقدّم العالم نحو حلول مبتكرة تجمع بين التكنولوجيا والبيولوجيا، تبدو قدرة بقّ الفراش على حفظ الحمض النووي مثالًا حيًا على أن الطبيعة ما زالت تُخفي أدوات مذهلة يمكن أن تعيد رسم حدود العلم والعدالة.

